لم تمضِ سوى ساعات فقط لتلويح واشنطن بقطع المساعدات العسكرية عن "إسرائيل"، حتى أظهرت مخاوفها من التداعيات المالية والعسكرية لاحتمال إنهاء المساعدات، متجاهلة 77 عامًا من الدعم غير المنقطع.
فقد سارع الكيان إلى التحذير من فجوة تمويلية بمليارات الدولارات، في مشهد يكشف حجم اعتمادها المزمن على الدعم الأمريكي، رغم عقود من التمويل والتسليح الذي أسهم في بناء قدراتها العسكرية وتعزيز تفوقها في المنطقة.
صحيفة "وول ستريت جورنال" ذكرت أن "إسرائيل" طلبت معدات عسكرية أمريكية بمليارات الدولارات تتجاوز قيمة التمويل الذي تعهدت واشنطن بتقديمه، ما سيترك فجوة تقدر بنحو 10 مليارات دولار بعد انتهاء اتفاقية المساعدات الحالية عام 2028.
وبحسب وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية أُرسلت إلى الكونغرس، تعهدت واشنطن بتقديم نحو 7 مليارات دولار من المساعدات العسكرية خلال العامين المقبلين، فيما تحتاج "إسرائيل" إلى 10 مليارات دولار إضافية لتغطية طلبات الأسلحة المعلقة.
ويأتي ذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس عزمه إنهاء المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل"، وهو ما أثار قلقاً داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، بشأن تمويل صفقات التسليح واستمرار تحديث ترسانة الجيش.
وتتلقى "إسرائيل" نحو 3.3 مليارات دولار سنوياً من خلال برنامج التمويل العسكري الأجنبي الأمريكي، الذي يتيح لها شراء الطائرات المقاتلة والقنابل والمركبات والأنظمة العسكرية المتطورة.
كما وافق الكونغرس عام 2024 على مساعدات إضافية تقارب 26 مليار دولار، في خضم حرب الإبادة على قطاع غزة.
وبحسب دائرة أبحاث الكونغرس، تلقت "إسرائيل" نحو 174 مليار دولار من المساعدات والتمويل العسكري الأمريكي منذ تأسيسها عام 1948 وحتى مايو/أيار 2025.
وتكشف هذه الأرقام حجم الامتيازات التي حظيت بها "إسرائيل" على مدى عقود، إذ لم يقتصر الدعم على التمويل، بل شمل توفير الأسلحة والذخائر وإتاحة ترتيب صفقات شراء اعتماداً على تعهدات التمويل المستقبلية.
وتبدو المفارقة في أن الإنفاق العسكري الإسرائيلي يبلغ نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تفوق ما تنفقه أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، ومع ذلك تسارع "تل أبيب" إلى التحذير من أن تحمل تكاليف تسليحها بصورة مستقلة سيزيد الضغوط على الموازنة.
وتشمل الالتزامات المستقبلية خطة لشراء سرب إضافي يضم 25 مقاتلة من طراز "إف-35"، فضلاً عن اعتماد الجيش على إمدادات أمريكية منتظمة من الذخائر والقنابل.
وفي محاولة لتجاوز احتمال وقف المساعدات المباشرة، يناقش مشرعون أمريكيون تحويل الدعم إلى استثمارات في التطوير والإنتاج العسكري المشترك، بما يضمن استمرار التعاون الدفاعي بين الطرفين بصيغة مختلفة.
لكن هذا التوجه لا يحل بالضرورة مشكلة تمويل صفقات الأسلحة المعلقة.
وتكشف ردود الفعل الإسرائيلية عن مفارقة واضحة؛ فمجرد التلويح بوقف المساعدات دفع تل أبيب إلى استنفار سياسي ومالي، وكأن تمويل جيشها مسؤولية أمريكية دائمة، رغم امتلاكها اقتصاداً متقدماً وميزانية عسكرية ضخمة.
فإنهاء الدعم، حتى إن لم يتحول بعد إلى قرار تنفيذي شامل، لا يعني انهيار الجيش الإسرائيلي، بل يعني أن تتحمل الحكومة الإسرائيلية جانباً أكبر من فاتورة سياساتها العسكرية، بدلاً من مواصلة تحميل دافع الضرائب الأمريكي تكاليف تسليحها.
