في مشهد دعائي مكشوف، نزل نحو 30 ضابطًا إسرائيليًا سابقًا، بينهم ستة جنرالات، يوم الثلاثاء الماضي إلى حقول قرية قصرة جنوبي نابلس، لقطف الزيتون إلى جانب مزارعين فلسطينيين، في محاولة لتقديم أنفسهم كحماة للفلسطينيين، بينما أيديهم ما زالت ملطخة بدماء أبناء هذا الشعب.
الزيارة التي قادها اللواء السابق إيال بن رؤوفين، وروجت لها وسائل إعلام غربية، قُدمت على أنها "تضامن" مع المزارعين في مواجهة عنف المستوطنين، لكن الحقيقة أن هؤلاء الجنرالات ليسوا غرباء عن العنف، بل كانوا جزءًا أصيلًا من منظومة القتل التي تفتك بالفلسطينيين منذ عقود.
من هم "المنقذون" الجدد؟
إنهم نفس الضباط الذين قادوا وحدات وألوية وفرقًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأصدروا الأوامر بقصف المدن والمخيمات، وحصار القرى، وهدم البيوت، وقتل الأطفال والنساء، في غزة والضفة الغربية ولبنان، وهم أنفسهم الذين أشرفوا على منظومة الاحتلال التي تحمي المستوطنين، وتوفر الغطاء العسكري لسرقة الأرض، وتقمع كل من يحاول الوصول إلى أرضه.
إن محاولة هؤلاء الجنرالات اليوم الظهور بثياب المتطوعين المسالمين لن تشفع لهم ماضيهم الدموي، ولن تمحو سجلهم في قتل الفلسطينيين أو إصدار أوامر القتل بحقهم، فمن قاد آلة الحرب لا يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى حامي الزيتون.
بل إن المفارقة الأكثر سخرية أن هؤلاء الضباط يزعمون أنهم جاؤوا لحماية قاطفي الزيتون من المستوطنين، بينما كان جيشهم، الذي قادوه لسنوات، هو الذي يسهل اعتداءات المستوطنين ويوفر لهم الحماية.
وتؤكد ذلك الأرقام التي وثقتها منظمة "ييش دين" الحقوقية الإسرائيلية نفسها، إذ إنه خلال أول 35 يوماً فقط من موسم قطف الزيتون الحالي، سُجل 180 اعتداء جسديًا على قاطفي الزيتون الفلسطينيين، في وقت كان جنود الاحتلال حاضرين في أكثر من 23% من حوادث عنف المستوطنين الموثقة، دون أن يتدخلوا لوقفها.
ويؤكد الفلسطينيون أن قوات الاحتلال تتأخر في الاستجابة عند الاستغاثة بها خلال الهجمات، أو تشارك في مساعدة المستوطنين، بينما تؤكدها الوقائع اليومية في قصرة وبورين وحوارة ومسافر يطا وغيرها.
المزارع نمر نزال من قصرة قال إنه لم يكن ليستطيع الوصول إلى أشجار زيتونه دون وجود الضباط السابقين، بسبب هجمات المستوطنين، وهذه الشهادة بحد ذاتها فضيحة للاحتلال، فالمزارع الفلسطيني لا يستطيع الوصول إلى أرضه إلا بحماية جنرالات الجيش الذي يحتل أرضه.
أما حديث الضباط عن قلقهم على "صورة إسرائيل" في الغرب والولايات المتحدة، كما قال العقيد السابق دورون ماينرت، يكشف الدافع الحقيقي لهذه المسرحية، فالهدف ليس حماية الفلسطينيين، بل ترميم صورة جيش الاحتلال المتآكلة في العالم بعد الإبادة الجماعية في غزة، وجرائم المستوطنين في الضفة، التي باتت تفضحها الكاميرات يوميًا.
كما أن العميد السابق يوناتان يوني زعم أنه مدفوع بالقلق على المزارعين ومعارضة ضم الضفة، لكن أين كان هذا القلق حين كان يخدم في جيش الضم والاستيطان؟ وأين كان حين أصدر زملاؤه أوامر القصف والقتل؟
إن موسم الزيتون بالنسبة للفلسطينيين ليس مناسبة للتصوير الدعائي، بل هو موسم رزق وكرامة وهوية، وشجرة الزيتون التي يقطفها هؤلاء الجنرالات اليوم أمام الكاميرات، هي نفس الشجرة التي اقتلعها جيشهم ودمرها مستوطنوهم على مدار سنوات، في محاولة لاقتلاع الفلسطيني من أرضه.
ولذلك، فإن مشاركة هؤلاء الضباط في قطف الزيتون ليست تضامنًا، بل محاولة مكشوفة لغسل أيديهم من الدماء، وتقديم جيش الاحتلال الإسرائيلي كجيش "أخلاقي" يحمي المدنيين، بينما هو في الحقيقة جيش احتلال وقتل وتهجير.
فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى جنرالات سابقين يقطفون معهم الزيتون لساعات أمام الكاميرات ثم يعودون إلى بيوتهم الآمنة، بل يحتاجون إلى إنهاء الاحتلال، ومحاسبة كل من أصدر أوامر القتل وشارك فيها، ووقف حماية المستوطنين، واستعادة أرضهم وحقهم في الوصول إليها بحرية ودون خوف.
