قد يتعرض الأطفال والمراهقون للخداع من زملائهم أو أشخاص يتواصلون معهم عبر الإنترنت، فيخسرون أموالهم أو يتورطون في صفقات غير عادلة، لكن المشكلة لا تتوقف عند الخسارة المالية، إذ قد يمنعهم الخوف من لوم الوالدين أو عقابهما من الاعتراف بما حدث وطلب المساعدة.
وفي كثير من الحالات، يختار الطفل الصمت أو اختلاق مبررات لاختفاء المال، خشية سماع عبارات مثل “كيف صدقت ذلك؟” أو “ألم نحذرك؟”، ما قد يتركه عرضة لمزيد من الاستغلال، خاصة إذا كان الشخص الذي خدعه يواصل التواصل معه أو يهدده بكشف أسراره.
لماذا يخشى الأطفال الاعتراف بالتعرض للخداع؟
قد لا يدرك الطفل في البداية أنه وقع ضحية خداع، فقد يثق بزميل أو شخص تعرف إليه عبر الإنترنت، ويصدق وعودا بالحصول على مكسب أو شراء شيء مرغوب فيه، أو يستجيب لضغط يدفعه إلى اتخاذ قرار متسرع.
لكن رد فعل الأسرة بعد اكتشاف الخسارة قد يكون عاملا أساسيا في تحديد ما إذا كان سيصارح والديه مجددا أم سيحاول إخفاء المشكلة.
ويزداد هذا الخوف لدى المراهقين الذين يسعون إلى إثبات استقلاليتهم، وقد يشعرون بالخجل من الاعتراف بأنهم لم يتمكنوا من اكتشاف الخدعة، أو يخشون أن يفقدوا ثقة أسرهم.
وتشير ميغان آيس، الأخصائية النفسية في معهد “تشايلد مايند” (Child Mind)، إلى أهمية فهم أسباب صمت الطفل عندما يتعرض للأذى، مؤكدة ضرورة ضبط الأهل لانفعالاتهم والاستماع إليه دون أحكام متسرعة، ومنحه مساحة آمنة للتعبير عما حدث.
وقد تعزز عبارات مثل “كان يجب أن تعرف أنه يكذب” أو “الذكي لا ينخدع” شعور الطفل بالخجل، وتجعله ينظر إلى ما تعرض له باعتباره دليلا على ضعفه، بدلا من كونه تجربة يمكن التعلم منها.
وفي بعض الحالات، يستغل المحتالون خوف الطفل من رد فعل أسرته، فيطلبون منه إبقاء الأمر سرا أو يهددونه بفضح تصرفاته، ما يجعله أكثر عرضة للاستغلال المتكرر.
كيف يتعامل الأهل مع اعتراف الطفل؟
من الطبيعي أن يشعر الوالدان بالغضب أو القلق عندما يكتشفان أن ابنهما خسر ماله أو تعرض للخداع، لكن طريقة التعامل مع الموقف قد تحدد مدى استعداده للجوء إليهما مستقبلا.
لذلك، ينصح بالابتعاد عن الأسئلة الاتهامية، والبدء بعبارات هادئة مثل “احك لي ما حدث من البداية” أو “من الجيد أنك أخبرتني، دعنا نفكر في الحل معا”.
كما ينبغي الاستماع إليه دون مقاطعة أو استعجال في إصدار الأحكام، للتعرف على تفاصيل الواقعة، فقد لا تكون مجرد مقايضة خاسرة أو مبلغ مفقود، بل ربما تضمنت تهديدا أو ابتزازا أو ضغطا متكررا.
ولا يعني احتواء الطفل إعفاءه من مسؤولية قراراته، بل الفصل بين الخطأ الذي ارتكبه والاستغلال الذي تعرض له، ومناقشة الخيارات التي كان يمكنه اتخاذها بصورة مختلفة بعد فهم ما حدث.
خطوات عملية لحماية الطفل بعد تعرضه للخداع
تبدأ الخطوة الأولى بتهدئة الطفل وتأكيد أن مصارحته لوالديه أهم من خسارة المال، ثم التحقق مما إذا كان الشخص الذي استغله لا يزال يتواصل معه أو يطلب منه أموالا أو معلومات إضافية أو يهدده.
وإذا وقع الاحتيال عبر الإنترنت، فمن المهم وقف التواصل مع الحساب المشبوه، والاحتفاظ بالمحادثات وإيصالات الدفع، وتأمين الحسابات التي ربما كُشفت بياناتها، والتواصل مع البنك عند وجود معاملات مالية. أما إذا تضمن الأمر تهديدا أو ابتزازا، فينبغي الاستعانة بالجهات المختصة وعدم ترك الطفل يواجه الموقف وحده.
وفي حال وقع الاستغلال داخل المدرسة، يمكن التواصل مع المعلم أو المرشد الاجتماعي، خاصة إذا تكرر السلوك أو تورط فيه أكثر من طالب، مع تجنب المواجهات العلنية التي قد تزيد إحراج الطفل.
وبعد التأكد من توقف الخطر، يمكن للأهل مناقشة ما حدث، ومعرفة الأسباب التي دفعت الطفل إلى الثقة بالشخص الآخر، وما إذا كان قد تعرض لضغط أو وعود بمكاسب كبيرة أو طُلب منه إخفاء الاتفاق عن أسرته.
وتهدف هذه المناقشة إلى مساعدته على التعرف إلى أساليب الخداع وإشاراته، وليس إلى محاسبته على ما حدث أو إشعاره بالذنب.
كيف تعزز الأسرة قدرة الطفل على حماية نفسه؟
لا تبدأ حماية الأبناء من لحظة تعرضهم للخداع، بل من خلال أحاديث متكررة عن المال والثقة والخصوصية، وتعريفهم بأن الاعتراف بالخسارة أو الخطأ لن يقابل بالإهانة أو السخرية.
ويمكن للوالدين طرح مواقف افتراضية، مثل عرض شخص تحقيق ربح سريع أو طلب صديق إخفاء اتفاق مالي عن الأسرة، ومناقشة الطريقة المناسبة للتعامل معها.
ومن المفيد أيضا مشاركة الأبناء بعض التجارب التي تعرض فيها الكبار للخداع، حتى يدركوا أن الوقوع فيه لا يعني الضعف أو قلة الذكاء.
كما ينبغي وضع قواعد واضحة، تشمل عدم إرسال الأموال أو البيانات الشخصية للغرباء، وعدم الموافقة على أي صفقة تحت ضغط الاستعجال، وضرورة التحقق واستشارة شخص بالغ موثوق قبل اتخاذ القرارات المالية.
ويمكن تدريب الطفل على تأجيل القرار بعبارة بسيطة مثل “سأفكر وأرد عليك لاحقا”، إلى جانب منحه مصروفا مناسبا لعمره ليتعلم إدارته وتحمل مسؤولية قراراته المالية الصغيرة في بيئة آمنة.
الخسارة المالية قد تتحول إلى درس مفيد
قد لا يتمكن الأهل من حماية أبنائهم من جميع محاولات الخداع، لكن بإمكانهم جعل طلب المساعدة أسهل من إخفاء المشكلة.
فالطفل الذي يعرف أن بإمكانه الاعتراف بخطئه أو بما تعرض له دون خوف من الإهانة، سيكون أكثر قدرة على كشف الاستغلال مبكرا، والتعامل مع المواقف المشابهة بوعي وحذر.
وفي النهاية، لا تكمن الحماية في منع الطفل من ارتكاب الأخطاء فحسب، بل في بناء علاقة ثقة تجعله يلجأ إلى أسرته عندما يخطئ أو يتعرض للأذى، قبل أن تتحول خسارة مصروفه إلى مشكلة أكبر.
