جنين - خـاص صفا
تتسارع خطوات الاحتلال الإسرائيلي لفرض وقائع استيطانية جديدة في محافظة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، عبر إصدار أوامر عسكرية تقضي بالاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، ضمن مخططات تستهدف توسيع السيطرة الاستيطانية وتغيير معالم المنطقة الجغرافية.
وتشهد المحافظة تصعيدًا واسعًا في المخططات الاستيطانية، ضمن مساعٍ إسرائيلية لإعادة إحياء المستوطنات التي أُخليت عام 2005، وفرض واقع جغرافي جديد على الأرض، بما يهدد الوجود الفلسطيني ويُكرّس سيطرة الاحتلال على مزيد من الأراضي.
وتتزايد مخاوف المواطنين من تداعيات هذه الإجراءات، في ظل تهديد أراضيهم بالمصادرة وحرمانهم من استغلالها، بالتزامن مع التوسع في شق الطرق الاستيطانية وإقامة محاور أمنية وفرض قيود على التجمعات الفلسطينية
ولم تتوقف سلطات الاحتلال عن الاستيلاء على أراضي المواطنين في محافظة جنين، إذ أصدرت، في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أمرين عسكريين جديدين يقضيان بوضع اليد على ما مجموعه 11.205 دونمات من الأراضي الفلسطينية في المحافظة، بذريعة الأغراض العسكرية.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يستهدف الأمر الأول 8.645 دونمات من أراضي دير أبو ضعيف، بهدف استكمال محور أمني (منطقة عازلة) حول مستوطنة "غانيم" بطول 1800 متر، وتسميه الوثائق الإسرائيلية "المحور المحيطي لغانيم".
أما الأمر الثاني، فيستهدف 2.560 دونمًا من أراضي قباطية لشق طريق أمني بطول 500 متر تقريبًا وتسميه الوثائق "محور الطوارئ لكاديم".
وأوضحت الهيئة أن هذه الأوامر تكتسب دلالتها الأوسع من ارتباطها المباشر بعودة الاحتلال إلى المستوطنات الأربع التي أُخليت شمالي الضفة الغربية عام 2005، وهي: "حومش" "صانور"، "غانيم" و"كاديم".
وبدأت حكومة الاحتلال بدأت بتفكيك القيود القانونية التي حالت دون عودة المستوطنين إليها، عبر تعديل قانون فك الارتباط في آذار/مارس 2023، ثم اتخذت إجراءات إضافية لإعادة إنشاء المستوطنات وتوسيع نطاقها.
وفي آب/أغسطس 2026، عادت عائلات استيطانية للإقامة في "غانيم" و"كاديم"، أعقب ذلك استكمال إجراءات تنظيمية وإدارية لتثبيتهما.
وفي سياق متصل، شرعت قوات الاحتلال قبل أيام بشق طريق استيطاني في منطقة واد اللزام، على أراضي المواطنين في بلدة قباطية جنوب المحافظة، من المقرر أن يربط مستوطنتي "دوثان" و"عميق دوثان"، المقامتين في محيط بلدة عرابة، بمستوطنة "رابا" في منطقة جبل السالمة، مرورًا بأراضي بلدتي قباطية ومسلية.
ولم تقتصر المخططات الإسرائيلية على مصادرة الأراضي وشق الطرق، بل امتدت إلى تهديد التجمعات السكانية، إذ سبق أن أمهلت قوات الاحتلال عائلات تقطن خربة سروج، قرب بلدة اليامون غرب جنين، أسبوعًا واحدًا لإخلاء منازلها ومنشآتها وحظائر مواشيها، تمهيدًا لإقامة مستوطنة جديدة في المنطقة.
تحول تاريخي
ويمثل ما تشهده محافظة جنين تحولًا تاريخيًا وغير مسبوق، ومرحلة مفصلية في طبيعة السيطرة الإسرائيلية على الأرض، إذ لم يعد النشاط الاستيطاني مقتصرًا على مصادرة أراضٍ متفرقة أو توسيع المستوطنات وإقامة بؤر، بل بات يمتد إلى إعادة هندسة جغرافيا المحافظة، وفق ما يؤكده مسؤول ملف الاستيطان في المحافظة طارق إغبارية.
ويوضح إغبارية، في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن هذا التحول يتجسد في عمليات التجريف والهدم واقتلاع أشجار الزيتون، وفرض الإغلاقات ونصب البوابات والحواجز، إلى جانب العودة إلى البؤر الاستيطانية التي أُخليت عام 2005، والعمل على إنشاء بنية تحتية تخدمها، فضلًا عن استهداف الأراضي والمواقع السكانية.
ويشير إلى أن المرحلة الحالية تشهد تصاعدًا في استخدام الأوامر العسكرية للاستيلاء على الأراضي، عبر سلسلة من القرارات التي تستهدف أراضي المواطنين بذريعة الاحتياجات الأمنية.
ويتزامن ذلك مع مساعي إعادة إحياء المستوطنات الأربع التي أُخليت عام 2005، وهي "جانيم" و"جاديم" و"حومش" و"سانور"، من خلال إنشاء بنية تحتية وإقامة مبانٍ لخدمتها، بما يمهد لإعادة تثبيت الوجود الاستيطاني وتوسيع رقعة المواقع الاستيطانية، لا سيما في مناطق جنوب المحافظة وغربها.
ويؤكد أن ذلك يعكس اتساع النطاق الجغرافي للاستهداف، ويهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والاقتصادي للمحافظة، لافتًا إلى أن خطورة هذه الإجراءات تكمن في آثارها التراكمية، من خلال تقطيع الأراضي الزراعية ومنع المواطنين من الوصول إليها.
أبعاد أمنية واستيطانية
ومن وجهة نظره، فإن الأوامر العسكرية الإسرائيلية بالاستيلاء على آلاف الدونمات من أراضي المواطنين في دير أبو ضعيف وقباطية تحمل دلالات تتجاوز السيطرة على مساحات محددة من الأراضي، وتعكس توجهًا لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني والاستيطاني في المحافظة.
ويوضح أن هذه القرارات تهدف إلى تثبيت الوجود الاستيطاني وإعادة إحياء المستوطنات التي أُخليت، وتحويل الذرائع الأمنية إلى وسيلة للسيطرة على الأراضي، وفرض مناطق عازلة تقيد وصول المواطنين إلى ممتلكاتهم، إلى جانب إعادة هندسة الخارطة الاستيطانية في شرق جنين وجنوبها.
وبحسب إغبارية، تحمل هذه الإجراءات أبعادًا جغرافية واستيطانية وأمنية واقتصادية متداخلة؛ إذ تتيح مصادرة الأراضي شق الطرق وإنشاء المحاور، التي تعيد بدورها تنظيم حركة التنقل والسيطرة على الأرض، وتفرض قيودًا تحول دون انتفاع المواطنين بمساحات أوسع من أراضيهم
وعن أهداف إقامة المحاور الأمنية والطرق الاستيطانية في محيط المستوطنات، يوضح إغبارية أن إقامة المحاور الأمنية والطرق الاستيطانية تهدف إلى إعادة تنظيم السيطرة على الأرض، وتوفير الحماية للمستوطنات وتثبيت وجودها، وتوسيع نطاق نفوذها على حساب الأراضي الفلسطينية المحيطة.
ويحذر من أن هذه المخططات تستهدف تقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية، وعزل الأراضي الزراعية، وفرض السيطرة عليها، وخلق وقائع ميدانية طويلة الأمد، فضلًا عن ربط المستوطنات بعضها ببعض.
ويضيف أن السيطرة على الأراضي ومصادرتها واعتبارها مناطق مغلقة تعيق التوسع العمراني الطبيعي للبلدات والقرى والتجمعات السكانية، في حين تُصمم شبكة الطرق لتخدم المستوطنين، دون مراعاة احتياجات الفلسطينيين.
مواقع استراتيجية
ولا تتعلق المسألة بمجرد عودة المستوطنين إلى مواقع قديمة، وإنما بإعادة بناء منظومة استيطانية متكاملة تحتاج إلى طرق ومحاور أمنية ومواقع عسكرية ومناطق عازلة، بما يسمح بتثبيت الوجود الاستيطاني وتوسيع نطاق السيطرة على الأراضي المحيطة.
ويوضح إغبارية أن أهمية المواقع المستهدفة في دير أبو ضعيف وقباطية تكمن في وقوعها بمنطقة استراتيجية شرق مدينة جنين، وقربها من مستوطنة "جانيم" والطرق التي تربط المدينة بالقرى الشرقية.
ويشير إلى أن بلدة قباطية تتمتع بموقع استراتيجي لاتصالها بمجموعة من البلدات والقرى الجنوبية، إضافة إلى طبيعة أراضيها الزراعية الخصبة، واعتماد السكان في تلك المنطقة بدرجة كبيرة على الأراضي الزراعية.
ويرجع التركيز على هذه المناطق إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، باعتبارها جزءًا مهمًا من شمالي الضفة الغربية، وتربط بين جنين ونابلس، إلى جانب وجود المستوطنات الأربع التي أُخليت، والسعي للسيطرة على المرتفعات والممرات، وتوسيع السيطرة على الأراضي الزراعية.
تهديد للوجود الفلسطيني
وفيما يتعلق بتداعيات مصادرة الأراضي وتجريفها على المزارعين وأصحاب الممتلكات والتجمعات السكانية، خصوصًا خربة سروج، يقول إغبارية إن الآثار السلبية لهذه الإجراءات تتجاوز خسارة المساحات الزراعية، لتطال مصادر رزق العائلات وحقوق أصحاب الأراضي واستقرار التجمعات السكانية، وصولًا إلى استهداف الوجود الفلسطيني في المنطقة وتهجير سكانها.
ويضيف أن هذه المناطق تعتمد على الزراعة وتربية المواشي، كما هو الحال في خربة سروج التي أخطر الاحتلال سكانها بإخلائها تمهيدًا لإقامة بؤرة استيطانية، الأمر الذي يهدد مصادر دخل العائلات، ويتسبب بخسائر في الإنتاج الزراعي، ويزيد الأعباء المعيشية، ويمس بالإرث التاريخي المرتبط بالأرض.
ويحذر من أن الأخطر يتمثل في تهديد الإنسان نفسه، سواء من خلال تعريض حياته للخطر، أو تهديد بقائه ووجوده في هذه المناطق.
ووفقًا لإغبارية، فإن استمرار هذه الإجراءات يعني مزيدًا من التوسع الاستيطاني وتثبيت المستوطنات وإقامة بؤر جديدة، وشق شبكات طرق إضافية، ومصادرة المزيد من الأراضي.
ويضيف أن ذلك يعني أيضًا مزيدًا من تقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية، وفرض الحواجز والبوابات الحديدية وكاميرات المراقبة، وتوسيع السيطرة على الأراضي الزراعية والتجمعات الريفية، بما يهدف إلى ترحيل هذه التجمعات، وإقامة واقع استيطاني يفصل محافظة جنين عن المحافظات الأخرى، ويعزل البلدات عن بعضها البعض، لتصبح أشبه بكانتونات معزولة.
ويطالب إغبارية بتحريك ملف الاستيطان في جنين على المستويات الرسمية والشعبية والدولية، وتكثيف العمل الإعلامي لإيصال الحقيقة وفضح ممارسات الاحتلال أمام العالم، من خلال إعداد التقارير وتوثيق الاعتداءات والإجراءات والقرارات، ورفعها إلى الجهات الدولية المختصة.
ر ش
