web site counter

بين شبرات "سما" وخصلات "سنا".. بارود الحرب يلتهم روعة الطفولة

غزة - خاص صفا

ليس أصعب على الوعي الإنساني من أن تتحسس طفلة بيديها المرتجفتين فراغاً، كان قبل أيام ملبساً بخصلات شعر طويلة، لتتفتح لفتتها الأولى عن وجع يكسر الحجر.

فبعد ثلاث سنوات من الابادة، أضحى ارتداء  "شبرات" ملونة، حلم الطفلة "سما"، ككل البنات.

ولم تكن "سما" التي لم تتجاوز العاشرة، تدرك أن آلة الإبادة لا تكتفي بتمزيق الأجساد تحت ركام البيوت، بل تتسلل إلى جذور الروح لتنتزع منها زينة رأسها، وتتركه عاريًا من الشعر، من هول الصدمة.

يتساقط أمام عينها

تقول "القصف ما حرمنا بس من البيت، الحرب سرقت مني شعري، صرت أشوف خصلات شعري الطويل بتتساقط قدام عيني".

تردد بحرقة خجلة "كل يوم وراء يوم ينحل شعري، من كتر الخوف والرعب اللي بنعيشه".  

وعلى مسافة وجع أخرى وفي خيمة نازحة لا تقل قسوة، تقف الطفلة سنا رضوان، لتكمل فصل المأساة ذاته، بمرض اصابها بحرب الإبادة، فأتى على كل جمال شعرها، دون أن يتمكن أحد من تشخيصه.

 تتساءل بألم عن سبب تغير شكلها المفاجئ، بعدما كانت ملكةً لجمال الطفولة: "لا أعرف لما صار معي هذا، شعري وحواجي ورموشي كله تساقط دفعة وحدة".

تضيف لوكالة "صفا"، أن الأطباء في غزة لم يستطيعوا تشخيص سبب تساقط كل هذا الشعر.

تردد بحرقة "كل ما أنظر على المراية بخاف من حالي، وبسأل هو الخوف عمل فينا هيك؟".

ولا يوجد علاج لسنا في غزة  فهي بحاجة لنوع من الإشعاع، غير متوفر، إلا في مستشفيات الخارج، يقول خالها مؤمن اسحاق لوكالة "صفا.

يضيف "سنا خرجت من القصف أكثر من مرة، ونزحت من خزاعة التي دمرها الجيش كلها، وخلال هذه الفترة وخاصة بنزوحنا في رفح، بدأ شعرها يتساقط".

وبالإضافة لسنا، أصيب والدها بالضغط والسكري ومؤخراً بالكلى، بسبب الوضع النفسي القاسي والضغوطات التي تتعرض لها الأسرة، بعدما كانت من أغنى العائلات في الحي.

ويطالب خال الطفلة، بأن تتكفل مؤسسة بإجلائها للعلاج بالخارج، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، لإنقاذ طفولتها، قائلًا: "سنا حالتها النفسية صعبة فوق الخيال، وتتعرض لتنمر من الأطفال، بعدما كانت من أجمل البنات".

صدمات كارثية 

هذه التحولات الجسدية والنفسية القاسية التي تصيب الأطفال ليست سوى صرخات صامتة لأعصاب أنهكتها أصوات الانفجارات المتتالية ورائحة البارود والموت الذي يحوم في كل مكان.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" ومنظمة الصحة العالمية، أن أكثر من مليون طفل في قطاع غزة يعانون اليوم من صدمات نفسية كارثية وعميقة تهدد مستقبلهم الإدراكي والعاطفي والاجتماعي على المدى الطويل.

وحسب بيانات المنظمتين، فإن صدمات نفسية كارثية، تضع أطفالًا في غزة أمام حافة إعاقات نفسية وعصبية مزمنة.

ورغم خصوصية حالتي سنا وسما، إلا أنهما تكشفان آثارًا كبيرة، تتجاوز قدر الأطفال على تحملها، بسبب الحرب، وفق منظمات تعني بالطفولة.

وأظهر تقييم أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" خلال ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، وشمل 2,071 أسرة في مختلف محافظات قطاع غزة، حجم الاضطرابات النفسية والسلوكية التي يعانيها الأطفال جراء الحرب.

ولاحظت 40% من الأسر اضطرابات في النوم لدى أطفالها، و32% التبول اللاإرادي، و19% السلوك العدواني، فيما رصدت 15% الانسحاب الاجتماعي.

وأشار التقييم إلى أن 92% من الأعراض السلوكية التي رصدتها الأسر بدأت بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، في وقت لا يعرف فيه سوى 13% من مقدمي الرعاية بوجود جهات تقدم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي أو الأنشطة الترفيهية في مناطقهم، وسط صعوبات تتعلق بانعدام الأمن والتنقل والتكلفة.

ووثقت منظمة أطباء بلا حدود، في تقرير نشرته في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التداعيات النفسية للحرب على أطفال غزة من خلال رسوماتهم وتعبيراتهم خلال جلسات الدعم النفسي الجماعي.

وعكست رسومات الأطفال تفاصيل من واقعهم اليومي، بينها طوابير الحصول على الطعام، وتسرب مياه الأمطار إلى الخيام، والجرافات التي تهدم المباني، والطائرات المسيرة، وفقدان أصدقاء لم يعودوا قادرين على اللعب معهم.

ونقل التقرير عن مرشدين نفسيين ملاحظتهم أعراضاً متزايدة من القلق والخوف والصراخ والسلوك العدواني وقضم الأظافر والتبول اللاإرادي، وأمراضي جسدية أخرى نتجت عن صدمة الحرب.

 

 

ر ب

/ تعليق عبر الفيس بوك