أطلق تقريران أمميان جرس تحذير من تجاوز الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وما قد يترتب على ذلك من عواقب لا رجعة فيها على مجمل الحياة على سطح الأرض.
وبحسب أحد التقريرين، فإن تجاوز هذا المستوى من الحرارة لسطح الأرض، مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، سيلحق بالأرض مشكلات لا يمكن حلها على صعيد المناطق الثلجية والجليدية والتربة الصقيعية، وارتفاع منسوب البحار بصورة قد تغرق مدنا بأكملها.
وشدد التقريران على أن ذوبان الأنهار الجليدية والجليد البحري والتربة الصقيعية، إلى جانب الارتفاع المتسارع في مستوى البحار، سيؤدي إلى تداعيات كثيرة تشمل زيادة مخاطر الفيضانات والخسائر الاقتصادية والبيئية، وتفاقم نقص الموارد المائية، وارتفاع الأخطار في المناطق الجبلية.
لكن ما الذي نعرفه عن الاحترار، والآثار البيئية لارتفاع حرارة الأرض أكثر من نصف درجة عن المسجل حاليا؟
يعرف الاحترار العالمي بأنه الارتفاع طويل الأمد في متوسط درجة حرارة سطح الأرض، ويشمل ذلك اليابسة والمحيطات بفعل تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، التي تحجز جزءا من الحرارة المنعكسة من الأرض، وتمنع تسربها بالكامل إلى الفضاء، وهو ما يعرف بالاحتباس الحراري.
ومن أهم الغازات التي تساهم في هذه الظاهرة، ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، وهي موجودة في الطبيعة قبل تدخل البشر بنسب غير مخلة، لكن الثورة الصناعية تسببت في خلل طبيعي للطاقة وزيادة الحرارة داخل النظام المناخي.
ووفقا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ “آي بي سي سي”، فإن متوسط حرارة الأرض ارتفع خلال الفترة من 2011-2020 بنحو 1.09 درجة مئوية، مقارنة مع الفترة ما بين 1850-1900 من القرن الماضي.
وشهدت درجات الحرارة ارتفاعا متسارعا خلال العقود الماضية، وكان أسرعها في عام 1970، مقارنة بأي فترة أخرى خلال الألفي سنة الماضية.
وامتصت المحيطات نحو 90 بالمئة من الحرارة الزائدة المتراكمة في النظام المناخي، كما ألحقت الارتفاعات أضرارا بالكتل الجليدية الضخمة في غرينلاند والقطب الجنوبي، وتقلصت الأنهار الجليدية في مناطق جبلية عديدة.
وسجلت الهيئة ارتفاعا بمتوسط مستوى سطح البحر بنحو 20 سنتيمترا بين عامي 1901 و2018، مع تسارع معدل الارتفاع حتى يومنا هذا، علاوة على تركيز ثاني أكسيد الكربون بصورة تتجاوز مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
ووفقا لأبحاث وكالة الفضاء الأمريكية، يعتمد العلماء على مجموعة واسعة من وسائل القياس والرصد، مثل محطات الأرصاد الجوية والسفن والعوامات البحرية والأقمار الصناعية وقياسات الغلاف الجوي والبيانات التي ترصد حالة الطقس.
لكن المثير في الأمر هو الاعتماد على فقاعات الهواء المحبوسة في الجليد القديم، وحلقات الأشجار المعمرة، والرواسب البحرية والشعاب المرجانية، للتعرف على كيفية تغير المناخ عبر آلاف السنين.
وأشار تقرير لـ”ناسا” إلى أن المعدلات الحالية غير معتادة مقارنة بالتغيرات المناخية التي شهدتها الأرض خلال فترة طويلة من تاريخها.
ويعني تجاوز حرارة الأرض درجتين مئويتين زيادة في شدة موجات الحر وتكرارها في مناطق عديدة من العالم، كما يحدث اليوم في أوروبا، متسببة في وفاة آلاف البشر.
وكذلك ستصبح موجات الحر الشديد أطول وأكثر خطورة، خاصة في المدن المكتظة بالسكان والمناطق الجافة، مع ارتفاع مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف وأمراض القلب والكلى.
ويحذر تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من أن المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة ستتزايد مع ارتفاع الاحترار العالمي، بما في ذلك ارتفاع الوفيات والأمراض المرتبطة بالحر، وانتشار بعض الأمراض المنقولة بالمياه والأغذية والنواقل.
وستكون الفئات الأكثر تضررا كبار السن والأطفال والعمال الذين يؤدون أعمالهم في الهواء الطلق، والأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى التبريد والرعاية الصحية المناسبة.
ومن أضرار ارتفاع الاحترار تراجع الأمن الغذائي، وتعرض القطاع الزراعي لعدم استقرار بسبب درجات الحرارة العالية وعدم انتظام الأمطار وشح المياه، ما يعني فترات جفاف أكثر شدة مقابل فيضانات وأمطار غزيرة في مناطق غير معتادة تدمر المحاصيل وتتلف التربة.
وستتزايد احتمالات سوء التغذية ونقص المغذيات الدقيقة، خصوصا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية والدول الجزرية الصغيرة، كما أن ارتفاع الحرارة يؤثر في صحة التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، ويزيد الضغوط الناتجة عن الآفات الزراعية والأمراض التي تصيب النباتات.
ولا يتوقف الأمر عند الزراعة، إذ إن الكتلة الحيوية للحيوانات البحرية ستتراجع بصورة تؤثر على الصيد البحري، وما سيلحقه ذلك من خسائر بالمجتمعات التي تعتمد على الصيد، وارتفاع أسعار الكثير من السلع.
وسيلحق ارتفاع حرارة الأرض ضغطا على الموارد المائية، التي ستتراجع بفعل ارتفاع معدلات التبخر واضطراب أنماط الهطول المطري وجفاف كثير من البحيرات والخزانات الجوفية والأنهار، وتأثيرات سلبية على المناطق التي تعتمد على ذوبان الثلوج في توفير المياه.
أما التأثيرات على البحار، فمن أكثر المتضررين من تصاعد الاحترار الشعاب المرجانية، التي تعد من أكثر النظم البيئية حساسية تجاه درجات الحرارة.
فعندما ترتفع حرارة مياه البحر لفترات طويلة، تتعرض الشعاب المرجانية للإجهاد الحراري، ما يدفعها إلى طرد الطحالب التكافلية التي تمنحها لونها ومصدرا مهما من غذائها، فتتحول إلى اللون الأبيض فيما يعرف بظاهرة ابيضاض المرجان، وإذا استمر الإجهاد الحراري، قد تموت أجزاء واسعة من الشعاب.
وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الاحترار العالمي بمقدار درجتين مئويتين قد يؤدي إلى فقدان ما يصل إلى 99 في المئة من الشعاب المرجانية.
وتكتسب هذه النتيجة خطورة إضافية لأن الشعاب لا تمثل مجرد بيئة بحرية جميلة، بل توفر موطنا لما لا يقل عن ربع الأنواع البحرية، وتدعم مصايد الأسماك والسياحة وتحمي السواحل من الأمواج والعواصف والفيضانات.
وتحذر التقارير الدولية من أخطار تجاوز درجتين مئويتين لحرارة الأرض على الكتل الجليدية الضخمة في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية.
ويتوقع العلماء أن تجاوز درجتين إلى ثلاث درجات للاحترار العالمي سيؤدي إلى فقدان شبه كامل للصفائح الجليدية في غرينلاند وغرب القارة القطبية الجنوبية على مدى آلاف السنين، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البحار عدة أمتار على المدى البعيد.
وسيلحق بالمدن الساحلية والجزر المنخفضة والدول التي تقع أجزاء كبيرة من أراضيها قرب البحار خطر كبير، من غمر المناطق الساحلية وتآكل الشواطئ وتسرب المياه المالحة إلى جوف الأرض وتدمير الأراضي الزراعية، فضلا عن الأذى الذي سيلحق بشبكات الطرق والموانئ ومحطات الطاقة وتصريف المياه.
