web site counter

من غرف العمليات بغزة إلى الكونغرس.. الجرّاح "حموي" يواجه دعم واشنطن لـ"إسرائيل"

واشنطن - صفا

من بين أنقاض المستشفيات في قطاع غزة، حيث عاين جراحات بتر أطراف الأطفال واستقبل جرحى القصف تحت تهديد الغارات، إلى أروقة الكونغرس الأمريكي، انتقل الطبيب آدم حموي حاملاً شهادة ميدانية عن حرب الإبادة، وموقفاً سياسياً يدعو إلى وقف تسليح "إسرائيل"، وإنهاء الدعم العسكري الأمريكي لها.

والأربعاء، فاز حموي، وهو جراح أمريكي من أصل مصري، بمقعد مجلس النواب الأمريكي عن الدائرة الثانية عشرة في ولاية نيوجيرسي، بعد تغلبه على منافسه الجمهوري غريغ ميلي، ليصل إلى المؤسسة التشريعية التي تملك صلاحية إقرار المساعدات العسكرية الأمريكية لـ"إسرائيل"، بعد حملة انتخابية جعلت من تجربته في غزة وموقفه من الحرب أحد أبرز محاورها.

من مصر إلى أمريكا 

ولد حموي في مصر، وانتقلت أسرته إلى الولايات المتحدة عندما كان في شهره السابع، ونشأ في ولاية نيوجيرسي، حيث درس في المدارس العامة، قبل أن يلتحق بجامعة روتجرز ويحصل على منحة دراسية عبر برنامج تدريب ضباط الاحتياط.

وبدأ مسيرته الطبية والإنسانية مبكرا؛ ففي عام 1994، شارك في أول مهمة تطوعية في البوسنة، حيث عمل مع فرق أممية على إيصال الإمدادات الطبية إلى المستشفيات خلال الحرب، وشاهد آثار المجازر على المدنيين والعاملين في القطاع الصحي.

وفي عام 2001، شارك خلال فترة إقامته الطبية في علاج ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وعمل في مستشفى ميداني أقيم قرب مركز التجارة العالمي في نيويورك لمساعدة المصابين والمسعفين.

ولاحقاً، التحق بالخدمة العسكرية الأمريكية، وعمل جراحا لإصابات الحروب في العراق، وبلغ رتبة مقدم في الجيش، قبل تقاعده عام 2011. وخلال خدمته عام 2004، شارك فريقه الطبي في إنقاذ حياة تامي داكوورث، التي أصبحت لاحقاً عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي.

وبعد انتهاء خدمته العسكرية، واصل العمل في أقسام الطوارئ والجراحة، وأنشأ عيادته الخاصة في مدينة برينستون بنيوجيرسي، إلى جانب مشاركته على مدى عقود في بعثات طبية تطوعية بمناطق الحروب والكوارث، بينها هايتي والسودان وسوريا ولبنان وتركيا والأردن.

غزة.. التجربة التي غيرت مساره

وكانت زيارة حموي، إلى قطاع غزة عام 2024 نقطة تحول في مسيرته، حين وصل ضمن مهمة طبية تطوعية للمشاركة في علاج المصابين، في وقت كانت فيه المستشفيات تعمل تحت ضغط أعداد كبيرة من الجرحى ونقص الإمكانات، وسط استمرار القصف الإسرائيلي.

وفي شهادات أدلى بها خلال وجوده في القطاع، تحدث حموي عن حجم الإصابات التي عاينها، ولا سيما بين الأطفال، وقال "إنه أجرى خلال أسبوعين عمليات بتر وشاهد حالات بتر رضّية للأطفال أكثر مما شاهده طوال مسيرته المهنية".

ووصف ما شاهده بأنه مختلف عن الحروب التي عمل خلالها سابقاً، قائلا إن "المشهد لم يكن حرباً تقليدية، بل ًدماراً شاملاً"، وإنه لم يجد وصفاً لما عاينه سوى الإبادة، بالنظر إلى طبيعة الإصابات والجثامين التي وصلت إلى المستشفيات.

وتحدث حموي عن أطفال فقدوا أطرافهم وعائلاتهم في القصف، وعن اضطراره إلى إجراء العمليات لهم ثم رؤية مصابين آخرين في الظروف ذاتها، في مشهد قال "إنه لا يمكن للطبيب أن يتجاهله بعد مغادرة غرفة العمليات".

ولم تقتصر معاناة حموي خلال مهمته على ضغط العمل الطبي، إذ وجد نفسه وفريقه عالقين في قطاع غزة بعد سيطرة قوات الاحتلال على معبر رفح في مايو/أيار 2024، وتعثر خروج أفراد البعثة.

ورفض الجراح المصري، مغادرة القطاع قبل ضمان خروج جميع زملائه، بمن فيهم حاملو الإقامة الأمريكية ومواطنو دول أخرى، بعدما أتيحت ترتيبات المغادرة لفئات محددة من أفراد الفريق.

وتمسك حموي، بموقفه إلى جانب زملاء آخرين، معتبراً أن ترك بقية أعضاء البعثة خلفهم يتعارض مع واجبهم تجاه بعضهم.

وأثارت الواقعة اهتماماً إعلامياً وضغوطاً للمساعدة في تأمين خروج الفريق، كما تدخلت السيناتورة تامي داكوورث للمطالبة بتسهيل مغادرته.

وعاد حموي إلى غزة في مهمة طبية أخرى عام 2025، مواصلا عمله الإنساني.

مواجهة السياسة الأمريكية

بعد عودته من غزة، لم يكتف حموي باستئناف عمله الطبي، بل توجه إلى واشنطن والتقى مسؤولين ومشرعين أمريكيين، محاولا نقل ما شاهده داخل المستشفيات، وتأكيد أن ما يجري في القطاع ليس مجرد مشاهد متداولة على وسائل الإعلام، بل واقع عاينه وعالج ضحاياه بنفسه.

وقال "إنه تحدث إلى ممثلي الشعب الأمريكي بصفته شاهدا على ما يحدث، لكن استجابة المسؤولين تفاوت، فبينما أبدى بعضهم مواقف منتقدة للحرب، لم يتحرك آخرون علناً، فيما رفض بعضهم لقائه".

وأضاف أن تجاهل ما نقله من شهادات، واستمرار الدعم الأمريكي لـ"إسرائيل"، دفعاه إلى خوض الانتخابات، قائلاً إنه شعر بضرورة الذهاب إلى واشنطن بنفسه لمحاولة تغيير هذا الواقع.

وتبنى حموي موقفاً واضحاً يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لـ"إسرائيل"، وفرض حظر على بيع الأسلحة لها، سواء الهجومية أو الدفاعية، مؤكدا ضرورة عدم تزويد أي دولة بالسلاح إذا كانت تنتهك القوانين الدولية لحقوق الإنسان.

كما انتقد استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في تمويل العمليات العسكرية، داعياً إلى توجيه الموارد نحو الرعاية الصحية والتعليم واحتياجات الأسر الأمريكية بدلا من الإنفاق على الحروب.

ولم يحصر موقفه في غزة وحدها، بل دعا إلى تقديم الدبلوماسية وحقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأمريكية، وإنهاء الحروب المفتوحة والدعم العسكري غير المشروط.

معركة انتخابية 

ودخل حموي السباق الانتخابي في نيوجيرسي للمنافسة على مقعد شاغر بعد إعلان النائبة الديمقراطية بوني واتسون كولمان عدم ترشحها مجدداً، وخاض انتخابات تمهيدية مزدحمة ضمت 13 مرشحاً ديمقراطياً، قبل أن يحسمها في يونيو/حزيران 2026.

وحظيت حملته بدعم شخصيات ديمقراطية تقدمية، بينها السيناتور بيرني ساندرز والسيناتورة تامي داكوورث، إلى جانب نواب وشخصيات سياسية معروفة بمواقفها المنتقدة للحرب الإسرائيلية على غزة.

وفي المقابل، واجه حملات تشكيك وهجمات تناولت مواقفه من "إسرائيل" وعلاقاته داخل الجالية المصرية الأمريكية، وأعيد خلال السباق إثارة صلات سابقة له بالشيخ عمر عبد الرحمن، الذي أدين في الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي.

ونفى حموي أي صلة له بممارسات غير قانونية، ولم توجه إليه اتهامات جنائية، مؤكداً رفضه جميع أشكال العنف.

كما انتقد الهجمات التي تستهدفه بسبب خلفيته الدينية والاجتماعية، وقال إن محاولات توظيف الاتهامات العنصرية والمعادية للمسلمين للتأثير على الانتخابات لم تعد قادرة على إسكات الناخبين.

وإلى جانب السياسة الخارجية، طرح حموي برنامجاً انتخابياً يركز على توسيع الرعاية الصحية وتوفير نظام تأمين صحي شامل، وإلغاء الديون الطبية، وخفض تكاليف العلاج، إلى جانب دعم التعليم العام وجعل الجامعات أقل كلفة.

كما دعا إلى رفع الحد الأدنى للأجور، وفرض ضرائب على أصحاب المليارات، وتعزيز حقوق العمال، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى وأصحاب الأموال في القرار السياسي، فضلاً عن مواقف تتعلق بإصلاح نظام الهجرة وحقوق المواطنين.

وربط في خطابه بين الإنفاق العسكري الخارجي والأزمات المعيشية داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن الدولة التي تنفق الأموال على الحروب ينبغي أن توجه موارد أكبر إلى الرعاية الصحية والتعليم وتحسين ظروف الأسر.

ويمثل فوز حموي انتقالاً من موقع الطبيب الذي عاين آثار الحرب الإسرائيلية على غزة، إلى موقع سياسي داخل مجلس النواب الأمريكي، لمواجهة التشريعات والإنفاق والمساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن لـ"إسرائيل".

 

 

 

ر ب

/ تعليق عبر الفيس بوك