بات الذكاء الاصطناعي يؤدي دورا متزايدا في تطوير الأنظمة التي ستخلفه، بعدما انتقلت النماذج الحديثة من مجرد كتابة الأكواد البرمجية وتصحيح الأخطاء إلى المشاركة في تصميم التجارب، ومعالجة مشكلات التدريب، وتقييم أداء النماذج الجديدة، في تطور يثير تساؤلات بشأن حدود الاستقلالية وإمكانية السيطرة على هذه التقنيات.
وأثار إعلان شركة "أوبن إيه آي" في فبراير/شباط 2026 عن نموذجها "جي بي تي 5.3 كوديكس" (GPT-5.3-Codex) اهتماما واسعا، بعدما وصفته بأنه أول نموذج ذكاء اصطناعي يساهم بفاعلية في تطوير نفسه، موضحة أن فريقها استعان بإصدارات مبكرة منه لتصحيح أخطاء التدريب، وإدارة عمليات النشر، وتحليل نتائج الاختبارات والتقييمات.
ولا يعني ذلك أن النموذج طور نفسه بالكامل أو استغنى عن التدخل البشري، لكنه يمثل مؤشرا على اتساع دور الذكاء الاصطناعي داخل دورة إنتاج الأنظمة الجديدة، ويعيد طرح مفهوم “التحسين الذاتي التكراري”، الذي يقوم على استخدام كل جيل من النماذج في المساعدة على إنتاج جيل أكثر تطورا وقدرة.
من كتابة الأكواد إلى تطوير النماذج
شهدت استخدامات الذكاء الاصطناعي في قطاع البرمجيات تحولا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، فبعدما اقتصرت مهامه على اقتراح أسطر برمجية محدودة وتصحيح الأخطاء البسيطة، أصبحت النماذج الحديثة قادرة على تنفيذ مهام متعددة المراحل، وكتابة أجزاء واسعة من البرمجيات، وتشغيل التجارب وتحليل نتائجها.
كما باتت الشركات تستخدم هذه النماذج لإنتاج بيانات تدريب اصطناعية، وتقييم إجابات أنظمة أخرى، ضمن أساليب تعرف بالتعلم التعزيزي من ملاحظات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، كشفت شركة "أنثروبيك" أن نموذجها "كلود" كتب أكثر من 80% من التعليمات البرمجية المدمجة في قاعدتها الإنتاجية حتى مايو/أيار 2026، مقارنة بنسب لم تتجاوز 10% قبل إطلاق أداة "كلود كود".
وأوضحت الشركة أن المهندس الواحد أصبح يدمج يوميا حجما من الأكواد يعادل نحو ثمانية أضعاف ما كان يدمجه عام 2024، مشيرة إلى أن النموذج أنجز أكثر من 800 إصلاح برمجي خلال أبريل/نيسان 2026، في مهمة قدر أحد المهندسين أن تنفيذها يدويا كان سيستغرق نحو أربع سنوات.
من جانبها، أعلنت "أوبن إيه آي" في سبتمبر/أيلول 2026 تحقيق هدف تطوير ما أطلقت عليه “المتدرب البحثي الآلي”، وهو نظام يستطيع تنفيذ مهام بحثية محددة تحت إشراف بشري، كانت تستغرق من الباحثين المهرة عدة أيام.
وتطمح الشركة إلى تطوير باحث ذكاء اصطناعي قادر على معالجة أعقد المشكلات العلمية والرياضية بصورة مستقلة بحلول مارس/آذار 2028.
كيف يطور الذكاء الاصطناعي نفسه؟
تعتمد آلية التحسين الذاتي على دورة متكررة تبدأ باقتراح تعديلات على التعليمات البرمجية أو خوارزميات التدريب، ثم تنفيذها في بيئة اختبار، وقياس نتائجها وفق معايير محددة، والاحتفاظ بالنسخ التي تحقق أداء أفضل، قبل الانتقال إلى جولة جديدة من التحسين.
ومن النماذج التي تجسد هذا الاتجاه نظام "داروين غودل ماشين"، الذي طورته شركة "ساكانا إيه آي" بالتعاون مع جامعة بريتيش كولومبيا ومعهد فيكتور، ويتيح للوكيل البرمجي تعديل تعليماته واختبار نسخ جديدة والاحتفاظ بالإصدارات الأكثر كفاءة.
ووفقا للتجارب المعلنة، تمكن النظام من رفع أدائه في عدد من الاختبارات من نحو 20% إلى 50%.
كما طورت شركة "ويكو إيه آي" نظام "أيد سكويرد"، الذي يعتمد على حلقتين للتحسين؛ إحداهما لتطوير حلول المهام، والأخرى لتعديل التعليمات البرمجية المسؤولة عن تشغيل الوكيل نفسه واختيار النسخ الأفضل.
وفي تجربة استمرت ثمانية أيام، تمكن النظام من اكتشاف سبع نسخ محسنة عبر 100 دورة تطوير، وحقق أفضلها نتائج تجاوزت في بعض الحالات أداء أنظمة بحثية صممها مهندسون بشريون.
وفي مثال آخر، استخدمت شركة "غوغل ديب مايند" نظام "ألفا إيفولف" لتحسين الخوارزميات والبرمجيات، ونجح في تسريع إحدى العمليات الحسابية المهمة لتدريب نموذج "جيميناي" بنسبة 23%، ما ساهم في خفض زمن التدريب الإجمالي بنحو 1%.
هل يقود ذلك إلى انفجار في قدرات الذكاء الاصطناعي؟
رغم هذه التطورات، لا يرى الباحثون أن التحسن المتسارع في بعض المهام يكفي لإثبات دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة تطوير ذاتي متواصل وغير محدود.
وتشير فرضية "الانفجار الذكائي" إلى احتمال أن تتمكن الأنظمة من تطوير نسخ أكثر قدرة من نفسها بوتيرة متزايدة، بما يؤدي إلى تسارع متتابع في القدرات، لكن تحقق هذا السيناريو لا يزال مرتبطا بعوامل تقنية ومادية وبشرية.
وتتمثل إحدى أبرز العقبات في ظاهرة "اختراق المكافأة"، التي تحدث عندما يتعلم النظام كيفية تحقيق نتائج مرتفعة وفق معيار التقييم دون إنجاز الهدف الحقيقي المطلوب منه.
فقد يتمكن نظام، على سبيل المثال، من الحصول على تقييم مرتفع في اختبار أمني عبر تعطيل أداة المراقبة بدلا من إصلاح الثغرة التي يفترض أن يعالجها، وهو ما يجعل الاعتماد على نتائج الاختبارات وحدها أمرا محفوفا بالمخاطر.
كما تظل موارد الحوسبة والطاقة والبيانات والخبرات البشرية عوامل مؤثرة في سرعة التطوير، فضلا عن صعوبة تحقيق تحسينات إضافية كلما اقترب النظام من الحدود القصوى للأداء في مهمة معينة.
مخاوف من فقدان السيطرة
تزداد المخاطر عندما تمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي صلاحيات واسعة للوصول إلى البرمجيات والبيانات والبنية التحتية، خصوصا إذا تمكنت من تجاوز القيود المفروضة عليها أو تعطيل آليات المراقبة.
وفي هذا الإطار، تبرز مخاوف من قدرة الوكلاء المستقلين على استغلال الثغرات التقنية، أو توسيع صلاحياتهم، أو التنسيق فيما بينهم بطرق لم تكن متوقعة أثناء تصميمهم.
وتشير الحوادث المرتبطة بالاختبارات الداخلية إلى أهمية وضع حدود واضحة للصلاحيات، وإخضاع العمليات الحساسة لمراقبة بشرية مستمرة، وضمان إمكانية إيقاف الأنظمة عند تجاوزها حدود التشغيل المسموح بها.
ولا تتوقف المخاوف عند الجانب التقني، بل تمتد إلى الجهة التي تملك صلاحية تحديد مستوى المخاطر المقبول، واتخاذ قرار تعليق التجارب، خصوصا عندما تتولى الشركات نفسها تقييم سلامة أنظمتها في ظل المنافسة التجارية والتكنولوجية.
سباق التطوير يضع السلامة أمام تحديات جديدة
ومع اتساع مشاركة الذكاء الاصطناعي في تطوير أجيال جديدة منه، تبرز الحاجة إلى آليات رقابة أكثر صرامة، تشمل مراجعات مستقلة، وتوثيق التعديلات البرمجية، وتقييد صلاحيات الأنظمة، ووضع شروط واضحة لإيقاف التجارب عند تجاوز مستويات الخطر المحددة.
كما يطرح هذا التطور تحديا دوليا، إذ تخشى الشركات والدول أن يؤدي إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي إلى منح المنافسين أفضلية اقتصادية أو عسكرية أو استراتيجية، ما يجعل التوافق على قواعد موحدة للسلامة أمرا معقدا.
وفي ظل هذا التنافس، لا تقتصر المسألة على قدرة الآلات على تطوير نفسها، بل تتعلق أيضا بمن يحدد أهدافها، ومن يراقب نتائجها، ومن يمتلك سلطة إيقافها عندما تتجاوز الحدود الموضوعة لها.
وتظهر التطورات الحالية أن الذكاء الاصطناعي أصبح شريكا في مراحل متقدمة من تطوير الأنظمة الجديدة، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة تحديد أجندته البحثية وبناء خلفائه بصورة مستقلة تماما.
ويبقى التحدي الأساسي في ضمان أن تكون مكاسب التطوير حقيقية وآمنة، وأن تظل الرقابة البشرية قادرة على مواكبة اتساع قدرات هذه الأنظمة.
