لا تُستخدم الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب في غزة للتواصل فقط، بل تحولت إلى شريان أساسي لتسيير تفاصيل الحياة اليومية، من متابعة العمل والتعليم الإلكتروني وإعداد الأبحاث الجامعية، إلى شراء الاحتياجات الأساسية وإجراء التحويلات المالية.
لكن منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الأجهزة الخلوية وملحقاتها وقطع غيارها إلى القطاع، منذ بدء حرب الإبادة، فاقم أزمة تتجاوز أعطال الأجهزة، لتطال قدرة المواطنين على التعلم والعمل والتواصل وتأمين احتياجاتهم.
وفي ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار القطع المتوفرة في السوق، يجد أصحاب الأجهزة المعطلة أنفسهم أمام خيارات محدودة؛ إما دفع مبالغ تفوق قدرتهم المالية لإصلاحها، أو مواصلة الحياة بأجهزة مكسورة لا تؤدي وظائفها، في وقت بات فيه تعطل الهاتف أو الحاسوب عائقًا أمام أبسط متطلبات الحياة.
ويقول محمود الغلاييني (53 عامًا)، صاحب محل لبيع الهواتف المحمولة وصيانتها بغزة، إن منع إدخال الأجهزة الخلوية وملحقاتها تسبب في أزمة كبيرة طالت الأفراد وطلبة الجامعات والمدارس، مشيرًا إلى أن القطاع لم يشهد إدخال أي أجهزة منذ بدء الحرب، ما أدى إلى تفاقم النقص مع استمرار الحظر.
ويوضح الغلاييني، لوكالة "صفا"، أن الأزمة لا تقتصر على بيع الهواتف، الذي أصبح صعبًا جدًا، بل تشمل الشاشات والبطاريات ومداخل الشحن وقطع الصيانة والإكسسوارات، لافتًا إلى أن المتوفر منها يُباع بأسعار مرتفعة تفوق قدرة كثير من المواطنين، الذين أنهكتهم الحرب والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ويضيف أن مشهد الزبون الذي يصل إلى المحل حاملًا هاتفًا محطّم الشاشة، ثم يغادر به كما جاء بعد معرفة تكلفة الإصلاح، بات متكررًا، إذ تصل تكلفة تغيير الشاشة أحيانًا إلى ثمن هاتف جديد كان متوفرًا قبل الحرب.
ويقول الغلاييني إنهم باتوا يلجؤون إلى تدوير القطع، عبر تفكيك هاتف متعطل بالكامل واستخدام أجزائه لمحاولة إصلاح هاتف آخر؛ لأن تعطل الهاتف يعني تعطّل الحياة بشكل فعلي، مضيفًا أن استمرار الأزمة يجعل توفير خدمة الصيانة أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.
مستقبل دراسي مهدد
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند أصحاب المحال والمواطنين الذين يعتمدون على الهواتف في شؤونهم اليومية، بل تمتد إلى الطلبة الذين باتت أجهزتهم الإلكترونية وسيلتهم الأساسية لمواصلة التعليم في ظل ظروف النزوح والحرب.
وتروي صفا الحواجري (18 عامًا)، وهي طالبة هندسة الذكاء الاصطناعي، كيف تحولت دراستها إلى تحدٍ يومي، بعدما تعطلت بطارية حاسوبها المحمول، فأصبح تشغيله مرهونًا بتوصيله المباشر بالكهرباء.
وتقول لوكالة "صفا"، إن المشكلة لا تتعلق بعطل الجهاز وحده، بل بانقطاع الكهرباء وعدم توافر قطع الغيار اللازمة لإصلاحه، إذ تضطر إلى استغلال ساعات وصل الكهرباء القليلة والمتقطعة لإنجاز أبحاثها وكتابة تقاريرها ومراجعة محاضراتها، وسط خوف دائم من انقطاع التيار وانطفاء الحاسوب قبل حفظ ما أنجزته.
وتوضح أنها بحثت مرارًا عن بطارية بديلة، لكنها لم تجدها، مشيرة إلى أن قطع الحاسوب غير متوفرة بسبب منع إدخالها إلى القطاع، فيما تُباع القطع المستعملة، إن توفرت، بأسعار باهظة لا يستطيع الطلبة أو العائلات النازحة تحملها.
وتضيف أن حاسوبها، الذي كان يفترض أن يكون نافذتها إلى العالم وأداتها لمتابعة تخصصها الجامعي، أصبح عبئًا يقيّد قدرتها على الدراسة، ويجعل استمرارها في التعليم مرتبطًا بتوافر الكهرباء وقطع الغيار التي لا تستطيع الوصول إليها.
الهاتف بوابة الطعام والدواء
أما حازم عاشور (40 عامًا)، فيواجه مشكلة تتجاوز صعوبة التواصل، بعدما تحطمت شاشة هاتفه وأصبحت تغطيها الخطوط الملونة، فيما تعطل جزء من خاصية اللمس.
ويقول عاشور، لوكالة "صفا"، إن الهاتف لم يعد وسيلة للرفاهية، بل أصبح ضرورة لتسيير الحياة اليومية، خصوصًا في ظل اعتماد المواطنين على المحافظ الإلكترونية والتطبيقات المصرفية لإجراء عمليات الشراء والدفع، مع شح العملة النقدية المتداولة في الأسواق.
ويوضح أن شراء الخبز والخضراوات والأدوية وغيرها من الاحتياجات الأساسية بات يتطلب في كثير من الأحيان إجراء تحويلات إلكترونية عبر الهاتف، ما يجعل الشاشة المعطلة عقبة حقيقية أمام تأمين احتياجات الأسرة.
ويضيف أن استخدام شاشة مليئة بالخطوط السوداء والملونة لإدخال أرقام الحسابات وتأكيد التحويلات يستغرق وقتًا طويلًا، وقد يؤدي إلى إلغاء العملية أو تعطلها، فيضطر أحيانًا إلى العودة إلى المنزل دون إتمام عملية الشراء.
ويشير عاشور إلى أنه راجع عددًا من محال للصيانة، لكن الإجابة كانت واحدة: "الشاشات المناسبة لهاتفك غير متوفرة"، وإن عُثر على قطعة مخزنة لدى أحد الفنيين، فإن تكلفة تركيبها قد تستنزف مصروف الأسرة لأشهر.
ولا تتوقف معاناته عند تأمين الطعام والدواء، إذ يعتمد أبناؤه على التعليم الإلكتروني ومنصة "مودل" لمتابعة دراستهم، ما يجعل إصلاح الهاتف ضرورة للحفاظ على قدرتهم على التعلم أيضًا، فيما قد يُكلّف شراء هاتف جديد نحو عشرة أضعاف ثمنه الأصلي.
ويبيّن أن العائلات باتت محاصرة بين ارتفاع تكاليف الصيانة وغياب قطع الغيار من جهة، وعدم القدرة على الاستغناء عن الأجهزة التي أصبحت مرتبطة بتفاصيل الحياة الأساسية من جهة أخرى.
ومع استمرار منع إدخال الأجهزة وقطع الصيانة، تتسع تداعيات الأزمة لتطال قطاعات الحياة اليومية، فيما يجد المواطنون أنفسهم مضطرين إلى إطالة عمر أجهزة مستهلكة أو التعايش مع أعطالها، في ظل غياب البدائل وارتفاع تكلفتها.
