تفتح خيمة فاطمة أبو عابد بابها على واقع مرير يختصر وجع النهار؛ حيث تقف منذ صباح يوم الجمعة، وسط ضوضاء المكان وصخب النزوح المحيط بها من كل حدب وصوب.
فاطمة، تحولت طقوسها ليوم الجمعة، إلى معركة استنزاف، تحارب دخان الحطب الأسود المسموم الذي يعمي العيون ويخنق الصدور.
وبين جدران القماش الرقيقة بمخيم في مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة، تحاط بأواني طهي سوداء ومهترئة أكلها الصدأ والنار، لتهمس لنفسها بمرارة عن قسوة يوم تقضي ساعاته بين الرماد وألم العظام، قائلة "هذه حياة؟!".
لا تشبه عظمة اليوم
لا شيء هنا يشبه طقوس الأمس، ففاطمة تقف عاجزة أمام قدر بالكاد تختبئ فيه وجبة يوم آخر من العذاب، لتخرج بوجبة باهتة وفارغة إلا من طبق أو اثنين، بعدما كانت الموائد يوم الجمعة تفيض بالخيرات وتجمع الشمل على الألفة والضحكات.
"تعبنا من القلة والانتظار، لا حياة رجعت ولا مستقبل واضح"، تقول فاطمة وكتل الإرهاق المزمن وأوجاع المرض وأثقال العمل، تلازم روحها، بلا سند.
وتحولت الأمهات إلى رهائن في مطابخ العراء، حيث لم يعد إعداد طعام الجمعة، سوى طقس إضافي من العذاب اليومي، الذي يفوق طاقة بشر على الاحتمال، لتتساءل النساء بين خطى الحيرة والوجع.
"أهذه هي الحياة التي أعدتنا لها السنوات؟"، تقول ابنتها رغد "24 عاما"، على استحياء، بثوب صلاة، يخفي تعب شبابها وسط العراء.
جمعة قاسية
الحكاية تمتد لتتسع دائرتها وتطرق أبواب الخيام المجاورة والشتات القريب والبعيد، حيث تتشابه المآسي وتتطابق التفاصيل القاسية بلا مفر.
تطل هذه الجمعة بقسوتها وصمتها المطبق والموجع، خصوصاً، مع العودة القاتمة لمشهد المجاعة الحارقة التي تطل برأسها مجدداً وبكل وحشية بفعل إغلاق المعابر المحكم ومنع دخول أبسط مقومات الحياة الأساسية من خبز ولحوم وخضار وفواكه.
وتعاني أسواق غزة فراغاً موحشاً ووحشة تطبق على الأنفاس، فيما وجدت عائلات بأهش حالتها نفسها محرومة تماماً حتى من أبسط ما تذكر به موائد الأمس كـ "لحوم الريم" وبدائلها.
"فش السوق فاضي وشكلنا رجعنا للعدس"، هذه كانت طقوس سميرة الرقب التي تتوسط أحفادها على قدر ونار، فارغ الوليمة.
وقِسْ على هذا، فقد تحولت الشوارع والساحات المحيطة بالخيام إلى أروقة للبحث المضني عن شبح طعام أو قطرة ماء، بينما يمسي البحث عن رغيف خبز جاف أو قليل من الطحين هو الإنجاز الوحيد المتاح لآباء وأمهات يعتصرهم العجز المذيب أمام أطفالهم.
إنها تفاصيل الفراغ الكبير في هذا اليوم العظيم، حيث لا شيء يسد رمق الجياع سوى ذكريات الماضي القريب حين كانت البيوت عامرة، وحين كانت الأمهات سيدات المكان لا ضحايا لدخان الحطب وأنين الأواني المكسورة.
