قالت مجلة تحليلية سويسرية إن لنقاش الدولي حول مستقبل قطاع غزة عالقٌ في ثنائية زائفة لا تترك للفلسطينيين خياراً حقيقياً، بين استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتدميره الممنهج للقطاع، وبين خطط "مجلس السلام" التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تبدو منفصلة تماماً عن واقع غزة وتاريخها.
وذكرت مجلة "ذا نيو هيومانيتاري" في تقريرها الأربعاء وترجمته وكالة صفا إنه على مدار عام كامل، منعت إسرائيل أي تقدم نحو إعادة الإعمار، بينما واصلت حصار غزة وشن الهجمات وتوسيع سيطرتها المباشرة على المزيد من الأراضي، في محاولة لمحو الآثار المادية للحياة الفلسطينية.
في المقابل، طرح مجلس السلام رؤى طموحة لإعادة الإعمار كوجهة للسياحة والأعمال الراقية، بناطحات سحاب على البحر، دون أدنى اعتبار لما سبقها، ودون توفير مكان واضح لسكان القطاع البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة.
وبعد أن منح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مجلس السلام تفويضاً غير محدد للإشراف على مستقبل غزة، وجد العاملون في المجال الإنساني والدبلوماسيون أنفسهم أمام خيار وصفته المجلة بـ"الخيار الخبيث": إما قبول استمرار احتلال إسرائيل، أو دعم مجلس السلام ضمنياً.
ويتجلى ذلك في مواقف دول كبرى، ففي سبتمبر الماضي أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند دعمه "التحالف العالمي المتنامي الذي يدعو إلى التنفيذ الكامل للخطة المكونة من 20 بنداً بقيادة الولايات المتحدة"، رغم رفض بريطانيا الانضمام للمجلس رسمياً، وسلك الاتحاد الأوروبي المسار نفسه.
أما المنظمات الإنسانية، فهي مقيدة باستغلال إسرائيل للمساعدات كسلاح، والتزمت الصمت تقريباً حيال مخاوفها من مجلس السلام، واكتفت بدعوات لنهج قائم على الحقوق، أو إدانة فشل المجلس في تنفيذ أي شيء على أرض الواقع.
وقال رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة توم فليتشر مؤخراً: "لدينا قرار من مجلس الأمن يلزمنا بالعمل مع مجلس السلام".
لكن المجلة تحذر من أن هذا القبول فخ، فخطط المجلس، التي تتمثل مهمته في الإشراف على "إعادة تطوير" غزة "لصالح" شعبها، لا تعالج الأسباب الجذرية لمعاناة الفلسطينيين.
ورغم أن خططه لمرحلة أولية من 6 أشهر تركز على السكن والبنية التحتية وإزالة الأنقاض، إلا أنها تفصل مستقبل غزة عن القضية الفلسطينية الأوسع، فخطة ترامب ذات الـ20 بنداً تنص على أن إسرائيل "لن تحتل غزة أو تضمها" لكنها لا تذكر الضفة الغربية، وتؤجل حق تقرير المصير إلى حين "توافر الظروف المناسبة"، دون أي ذكر للحقوق أو العدالة أو التعويض.
ويضم المجلس لجنة وطنية فلسطينية من خبراء، لكنها تفتقر إلى الاستقلالية والشرعية الديمقراطية وأي سلطة حقيقية، وتبدو مجرد ستار لإخفاء عيوبه الجوهرية، حيث يقوده فعلياً وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والمبعوث ستيف ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
وفي المقابل، يطرح تقرير "ذا نيو هيومانيتاري" بديلاً ثالثاً يتمثل في أطر نشرها مبادرة "فينيكس غزة" وأوكسفام لنهج تعافٍ بقيادة فلسطينية، ترتكز على حقوق الملكية واستمرارية الثقافة والتراث والعدالة وحق تقرير المصير.
ونقل التقرير عن الطالب الغزي شاهد العاصي (20 عاماً) قوله: "أنا لا أقيس مستقبل البشرية من خلال المشاريع التجارية المبنية على صدماتنا.. قبل أن يقدم لنا أي شخص خططاً اقتصادية، نحتاج إلى الحق الأساسي في العيش بحرية دون خوف من التهجير أو الحصار".
