تسعى الأوساط الصناعية الإسرائيلية إلى تصوير القيود التجارية الأوروبية المفروضة على منتجات المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة باعتبارها تهديدًا لمصادر رزق العمال الفلسطينيين، في محاولة لاستدرار التعاطف مع المصانع الإسرائيلية المتضررة، وسط تجاهل للأضرار الاقتصادية التي تلحق ب"إسرائيل" نفسها جراء اتساع نطاق المقاطعة وتراجع الطلبات الخارجية وإلغاء العقود التجارية.
وتقول إحصائيات إسرائيلية إن نحو 4 آلاف عامل فلسطيني من أصل 18 ألفًا يعملون بصورة قانونية في المصانع والمناطق الصناعية الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، قد يفقدون وظائفهم في الفترة المقبلة، مع دخول قيود تجارية أوروبية وغربية على منتجات المستوطنات حيز التنفيذ.
وتحاول الجهات الصناعية الإسرائيلية تقديم هذه الأرقام باعتبارها دليلًا على أن المقاطعة تستهدف الفلسطينيين قبل غيرهم، محذرة من أن إغلاق المصانع أو نقلها إلى داخل الأراضي المحتلة عام 1948 سيحرم آلاف العائلات الفلسطينية من مصدر دخلها.
غير أن هذا الخطاب يتجاهل أن هذه المصانع جزء من منظومة اقتصادية إسرائيلية تستفيد من وجودها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن تشغيل العمال الفلسطينيين فيها، كما يتجاوز حقيقة أن الإجراءات الأوروبية تستهدف منتجات المستوطنات في سياق الاعتراض على الاستيطان غير القانوني بموجب القانون الدولي، والتوسع الاستيطاني والعنف الذي يمارسه المستوطنون بحق الفلسطينيين.
كما أن القلق الإسرائيلي لا يتعلق بمصير العمال الفلسطينيين وحده، بل يمتد إلى خسائر اقتصادية وتجارية مباشرة تتكبدها المصانع الإسرائيلية، مع تراجع حاد في الطلبات الخارجية وإلغاء عقود توزيع طويلة الأجل، وفق ما أوردته وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية وإدارة التجارة الخارجية واتحاد المصنّعين الإسرائيليين.
وتواجه مناطق صناعية رئيسية، بينها "بركان" و"ميشور أدوميم" و"أريئيل"، مخاطر متزايدة نتيجة القيود المفروضة على منتجات المستوطنات، إذ تعتمد منشآت عديدة فيها على الأسواق الأوروبية، فيما تعمل السلطات الإسرائيلية على البحث عن أسواق بديلة في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وتدرس تقديم مساعدات وتعويضات للشركات المتضررة.
وتُظهر تجربة شركة "سوداستريم"، التي أغلقت مصنعها في مستوطنة "ميشور أدوميم" عام 2015 ونقلت إنتاجها إلى جنوب الكيان أن العمال الفلسطينيين قد يدفعون ثمن القرارات الاقتصادية الإسرائيلية، بعدما فقد مئات منهم وظائفهم إثر إغلاق المصنع، ثم واجه آخرون تسريحًا بسبب عدم تمديد تصاريح دخولهم إلى "إسرائيل".
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، وصف رئيس اتحاد المصنّعين الإسرائيليين، أبراهام نوفوغروتسكي، مقاطعة مصانع المستوطنات بأنها إجراء يضر بالعمال الفلسطينيين، معتبرًا أنها تهدم فرص التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
لكن هذا الخطاب يضع خسائر العمال في واجهة المشهد، بينما يسعى إلى حشد الدعم لإنقاذ المصانع الإسرائيلية من تداعيات المقاطعة، في وقت تتزايد فيه الضغوط التجارية الغربية على اقتصاد المستوطنات.
وبدأت قيود الاستيراد تدخل حيز التنفيذ في دول أوروبية، بينها إسبانيا وأيرلندا وهولندا، فيما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا خططًا لاتخاذ إجراءات مماثلة، بالتوازي مع تحركات في دول أوروبية أخرى لفرض قيود وطنية أو الدفع نحو إجراءات أوسع على المستوى الأوروبي.
وتعكس هذه التطورات اتساع الضغوط الاقتصادية على "إسرائيل" بسبب سياساتها الاستيطانية، ومحاولة نقل النقاش من مسؤولية الاحتلال والتوسع الاستيطاني إلى التداعيات الاجتماعية التي قد تطال العمال الفلسطينيين، رغم أن الخسائر التي تقلق الصناعات الإسرائيلية تشمل أيضًا تراجع الصادرات وفقدان الأسواق والعقود، وما قد يترتب على ذلك من إغلاق منشآت وتراجع النشاط الاقتصادي.
وبينما تتحدث المؤسسات الصناعية الإسرائيلية عن حماية أرزاق الفلسطينيين، فإنها تتجاهل أن إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان يمثلان أساسًا لمعالجة جذور الأزمة، بدلًا من استخدام اعتماد العمال الفلسطينيين على فرص العمل في المستوطنات أداةً لمواجهة الإجراءات الدولية الرافضة لضم الأراضي الفلسطينية واستغلالها اقتصاديًا.
