تمرُّ اليوم الذكرى السنوية الثالثة لأول وأكبر المجازر المروعة التي دُشّنت بها حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، حينما حولت صواريخ طائرات الاحتلال الإسرائيلي ساحة المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" في قلب مدينة غزة، مساء السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023، من ملاذٍ آمن للمرضى والنازحين إلى مسرح مأساوي يفيض بالدماء والأشلاء.
ومع بداية العدوان، لجأ مئات المواطنين إلى المستشفى المعمداني هربًا من القصف العشوائي الذي طال الشجر والبشر والحجر في كافة محافظات القطاع، ظانّين أن الحصانة الدولية القائمة على القوانين والمواثيق الإنسانية ستوفر لهم حماية في هذا الصرح الطبي العريق.
غير أن طائرات الاحتلال باغتتهم بصواريخها شديدة الانفجار في الساحة المكتظة بالنساء والأطفال والعائلات النازحة، ما أدى في لحظات معدودة إلى ارتقاء 500 شهيد وإصابة العشرات بجروح بالغة وتشويهات عميقة.
وفي دقائق قاسية، بدا المشهد مروعًا وفاق حدود الوصف، حيث تحولت ساحة المشفى إلى بركة دماء واسعة، وتمزقت أجساد معظم الشهداء وحوّلتها القوة التدميرية للصواريخ إلى أشلاء متقطعة ومتفحمة غابت ملامحها بالكامل، لدرجة تعذر على الأهالي والأطقم الطبية التعرف على هوية العشرات منهم.
وعكست مقاطع الفيديو والصور التي بثتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حينها صدمة إنسانية هزت الضمير العالمي لهول البشاعة.
ويُعد المستشفى المعمداني أقدم مشفى في قطاع غزة، حيث أُنشئ قبل نكبة فلسطين عام 1948 بأكثر من نصف قرن في حي الزيتون وسط المربعات السكنية المكتظة، مما جعل استهدافه المباشر رسالة إسرائيلية واضحة بإسقاط كافة الخطوط الحمراء واستباحة المؤسسات الطبية والخدمية.
ورغم مرور ثلاث سنوات ودفن جثامين الضحايا، إلا أن آثار القصف والدمار والدموع لا تزال شاخصة في أرجاء المستشفى ومحفورة عميقًا في ذاكرة كل فلسطيني.
وفي شهادة حية لوكالة "صفا"، روى أحد الناجين تفاصيل تلك الليلة الدامية قائلًا: "الاحتلال تعمد استهداف النازحين بشكل مباشر وفي قلب المشفى، في مجزرة وحشية فاقت كل التصورات.
وقال "لقد أدركنا منذ تلك الليلة أنه لا يوجد أي مكان آمن في قطاع غزة، حتى المشافي والأماكن التي يُفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي أصبحت أهدافًا مباشرة للصواريخ الإسرائيلية".
وأثارت الجريمة حينها موجة غضب وتنديد واسعة على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية، حيث وُصفت بأنها "محرقة حقيقية" وجريمة حرب مكتملة الأركان.
غير أن صمت المجتمع الدولي وعجزه عن محاسبة الاحتلال فتحا الباب واسعًا أمام مسلسل متواصل من المجازر اليومية، واستباحة شاملة لكافة المشافي والمراكز الصحية والمدارس ومراكز الإيواء وخيام النازحين من شمال القطاع إلى جنوبه.
