web site counter

حين تصبح بصقة طفل إدانة لشعب.. ماذا عن أهوال تعذيب الأسرى الفلسطينيين؟

القدس المحتلة - خاص صفا

تثير رواية إسرائيلية عن مطالبة طفل فلسطيني لم يتجاوز الثالثة من عمره على البصق في وجه أسير إسرائيلي سابق، تساؤلات واسعة بشأن ازدواجية المعايير في تناول معاناة الأسرى، في وقت تتوالى فيه الشهادات والتقارير الحقوقية التي توثق تعرض المعتقلين الفلسطينيين لصنوف قاسية من التعذيب والتنكيل والإذلال، وصولاً إلى العنف الجنسي والاستشهاد داخل السجون.

ففي رواية نقلتها صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، استعاد رئيس مديرية القوى العاملة في الجيش الإسرائيلي، اللواء دادو بار خليفة، شهادة الأسير السابق أفيناتان أور، الذي أمضى أكثر من 700 يوم في الأسر بقطاع غزة، بشأن ما زعم به حول ما تعرض له قبيل أسره.

ووفق الرواية التي أوردها المسؤول العسكري خلال فعالية لإحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين، فقد أُجبر طفل فلسطيني يبلغ من العمر ثلاث سنوات على البصق في وجه الأسير "أور"، بعدما حمله أحد آسريه إلى مستوى وجهه وطلب منه ذلك، ثم طُلب منه تكرار الفعل، وسط تصفيق الموجودين وتشجيعهم، بحسب الشهادة المنقولة، رغم أن رذاذ البصقة لم يلامس وجهه.

واستخدم بار خليفة هذه الواقعة لتقديم استنتاجات عامة بشأن الفلسطينيين، قائلاً إن الفارق بين الإسرائيليين ومن هاجموا إسرائيل يبدأ، ربما، من مرحلة رياض الأطفال، قبل أن يربط الرواية بما تفوّه به دليلاً على "تنشئة جيل من القتلة".

غير أن المقارنة التي طرحها المسؤول العسكري تفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف تتحول واقعة يرويها أسير سابق، تتعلق بطفل في الثالثة من عمره، إلى مادة لتعميم الاتهامات على شعب بأكمله، بينما تواجه شهادات موثقة عن صنوف التعذيب والانتهاكات بحق آلاف الأسرى الفلسطينيين تجاهلاً أو إنكاراً أو محاولات للتشكيك؟

وبصرف النظر عن مدى دقة التفاصيل الواردة في الرواية الإسرائيلية، فإن إجبار طفل صغير على البصق، ومهما كانت دلالاتها بالنسبة إلى الأسير الذي استعادها، لا يمكن أن تكون مقياساً للمقارنة بين فظائع القتل والتعذيب في سجون الاحتلال وبين قصته مع الطفل الذي بالكاد يستطيع العدّ إلى عشرة.

في المقابل، تتحدث تقارير حقوقية وشهادات أسرى فلسطينيين محررين عن أنماط لا يمكن تصورها من الانتهاكات داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، لا تتعلق بتصرف عابر أو حادثة فردية، بل بممارسات تمس سلامة الإنسان وكرامته وحياته.

فمثلاً، في مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، وصفت المديرة التنفيذية لمنظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، يولي نوفاك، السجون الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأنها تحولت إلى "شبكة من معسكرات التعذيب"، مستندة إلى شهادات فلسطينيين تحدثوا عن تعرضهم للضرب المبرح والتجويع والإذلال والعنف الجنسي.

وبحسب الشهادات التي جمعتها المنظمة وتحققت منها، شملت الانتهاكات التعري القسري، والاعتداء بالضرب على الأعضاء التناسلية، وإطلاق الكلاب على أسرى عراة، في ممارسات قال معتقلون سابقون إنها لم تكن حوادث معزولة، بل جزءاً من منظومة أوسع لإخضاعهم نفسياً وجسدياً.

كما أشارت المنظمة إلى استشهاد أكثر من 88 أسيرا فلسطينياً داخل السجون الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفق الرقم الذي أوردته في تقريرها، في حصيلة وصفتها بغير المسبوقة.

هذا بخلاف تعرض أسرى للصعق بالكهرباء والتعرية والاعتداء بواسطة الكلاب البوليسية، فضلاً عن انتهاكات جنسية من أشد ما وثقته المؤسسات المعنية بشؤون الأسرى.

ومنذ الأيام الأولى للعدوان على غزة، ظهرت تقارير عن انتهاكات في معسكرات احتجاز أقامها الجيش الإسرائيلي، من بينها معتقل "سدي تيمان" في صحراء النقب.

وكانت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية من أوائل وسائل الإعلام التي تناولت تقارير التعذيب في هذا المعسكر في ديسمبر/كانون الأول 2023، قبل أن تتوالى تقارير وشهادات أخرى عن ظروف احتجاز قاسية وانتهاكات بحق الأسرى.

ووصف محامون زاروا المعتقل ظروف الاحتجاز فيه بأنها مروّعة، مشيرين إلى احتجاز أعداد كبيرة من الأسرى في منشآت تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، وسط انتشار المعدات العسكرية والجنود.

ولا تكمن المفارقة هنا في المفاضلة بين انزعاج أسير إسرائيلي ومعاناة وقهر وإذلال وألم أسير فلسطيني، بل في الطريقة التي يجري بها توظيف "المعاناة" سياسياً وإعلامياً.

فحين تُستحضر واقعة البصقة زعمًا أنها دليل على طبيعة شعب بأكمله، بينما لا تحظى شهادات التعذيب والاعتداء الجنسي والقتل داخل السجون الإسرائيلية بالاهتمام نفسه، تصبح المسألة أبعد من مجرد اختلاف في الروايات، وتمس المعايير التي يُنظر من خلالها إلى الأسير الفلسطيني وحقوقه.

أ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك