أكد المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حازم قاسم، يوم الاثنين، أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه في شرم الشيخ قبل عام، بحضور دولي وإقليمي واسع وشامل، ورعاية مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ورؤساء الدول الوسيطة الرئيسية تركيا وقطر، ومصر.
وأوضح قاسم، في حوار خاص مع وكالة الصحافة الفلسطينية "صفا"، أن الحرب لم تتوقف فعليًا رغم الإعلان عن الاتفاق، إذ استمر الاحتلال في خرقه بصورة ممنهجة وعلى مختلف المستويات، مشيرًا إلى أن حصيلة هذه الانتهاكات بلغت نحو 1500 شهيد وقرابة 5000 جريح.
وأضاف أن الاحتلال واصل تقييد دخول المساعدات وإعادة "هندسة التجويع" في قطاع غزة، ومنع إدخال المعدات اللازمة لإعادة إعمار المستشفيات وإصلاح القطاع الصحي المتهالك، والآليات الثقيلة الضرورية لانتشال جثامين الشهداء وفتح الطرقات، فضلاً عن التنصل من تطبيق البروتوكول الإغاثي والإنساني، والاقتصار على إدخال نحو 25% فقط من المساعدات المتفق عليها.
ولفت المتحدث باسم "حماس" إلى أن الاحتلال ما زال يقيّد حركة الدخول والخروج عبر معبر رفح البري، ويواصل توسيع "الخط الأصفر" باتجاه الغرب، حتى بات يسيطر على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، وفق ما يعلنه رسميًا.
وشدد قاسم على أن هذه الممارسات تمثل انتهاكات ممنهجة لبنود الاتفاق، وتجعله مطبقًا من جانب واحد فقط، وهو الجانب الفلسطيني الذي يلتزم به بصورة كاملة، في مقابل استمرار الخروقات الإسرائيلية المتواصلة.
عجز الوساطة وتواطؤ "مجلس السلام"
وبيّن قاسم في حديثه لوكالة "صفا" أن حركة حماس ترصد هذه الانتهاكات يوميًا، وتصدر تقارير موثقة ومعتمدة بشأنها، وترفعها تباعًا إلى الأطراف المعنية، بما فيها الدول الوسيطة والأمم المتحدة وغيرها، لوضعهم في صورة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة.
وأشار إلى أن الاحتلال لم يستجب حتى الآن لجهود الوسطاء، موضحًا أن الدول الوسيطة الثلاث تقف عاجزة تمامًا عن إلزامه بما جرى الاتفاق عليه أو وقف خروقاته، في حين أن الطرف القادر على ممارسة ضغط حقيقي عليه والمتمثل في الإدارة الأمريكية لا يمارس أي ضغط بهذا الاتجاه.
وعدّ قاسم أن الأخطر من ذلك هو سلوك ما يُسمى "مجلس السلام"، الذي تحول إلى مجلس لاستمرار الحرب وتوفير الغطاء لها بدلاً من تحقيقه، مؤكدًا أن هناك عجزًا كاملًا لدى الأطراف المعنية، إلى جانب تواطؤ واضح من جانب المجلس نفسه.
وأوضح أن المجلس لا يشير بوضوح إلى الطرف الذي يعطل الاتفاق وهو الاحتلال، بل يصدر بيانات تتحدث عن دعم "الأمن الإسرائيلي"، وتجعل تحقيق الأمن والاستقرار للاحتلال أساسًا لمهمته، على الرغم من أن الشعب الفلسطيني هو من تعرض لإبادة جماعية وفق المعايير الدولية.
ولفت قاسم إلى أن حركة "حماس" توصلت، في السياق ذاته، إلى تفاهمات مع ما يُسمى "مجلس السلام" والمبعوث نيكولاي ملادينوف بشأن خارطة طريق لتطبيق الاتفاق، لكن الاحتلال رفض هذه التفاهمات ولم يلتزم بها، ما أبقى الأوضاع الميدانية والإنسانية على حالها الحرج.
مجزرة مفتوحة
وحذّر قاسم من أن قطاع غزة لا يزال يواجه القتل والمذبحة اليومية في الشوارع، واستمرار هندسة التجويع، والانتهاكات المتواصلة، فضلًا عن التهديدات الإسرائيلية بتصفية المزيد من أبناء الشعب الفلسطيني، وتوسيع العمليات العسكرية واغتيال القيادات الفلسطينية في الداخل والخارج، مؤكدًا أن هذه التهديدات تمثل بدورها انتهاكًا صارخًا للاتفاق.
وشدد على أن الاتفاق ينص بوضوح على التزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، مؤكدًا أن الجانب الفلسطيني نفّذ كامل التزاماته وتعهداته، بدءًا من تسليم الأسرى العشرين في اليوم الأول دفعة واحدة، ثم تسليم ما تبقى من جثامين الأسرى، وصولًا إلى الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار ووقف العمليات العسكرية.
وذكر أن استمرار الاحتلال في التهديد بتوسيع العمليات العسكرية يمثل انتهاكًا خطيرًا؛ حيث يحاول بصورة مستمرة التحريض على حركة حماس وفرض وقائع جديدة على الأرض، عبر توسيع المنطقة العازلة، ومواصلة تهجير السكان من المناطق المحيطة بها، في إطار عملية تطهير عرقي واضحة المعالم.
وأكد قاسم أن الاحتلال يسعى عبر هذه التهديدات إلى إيجاد مبررات وشرعية لتصعيد عدوانه، مشيرًا إلى أن قطاع غزة يواجه بالفعل مجزرة مفتوحة، ولا يحتاج الأمر إلى انتظار مؤشرات جديدة، في ظل استمرار إغلاق المعابر وتقييد المساعدات والقتل اليومي للأطفال والنساء، إلى جانب قصف ما تبقى من العمران في مدينة غزة ونسف المباني، والقصف شبه اليومي في عمق المناطق السكنية وتدمير عشرات المنازل في إطار الإبادة المتواصلة.
وحول التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، أوضح قاسم أن الاحتلال يحاول تبرير تصعيد عدوانه أو استئناف هجوم واسع عبر ترويج شائعات عن نية "حماس" التخطيط لتنفيذ عمليات ضد جنوده في غزة، بما في ذلك عمليات خطف كما زعم وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس أو غيرها من الادعاءات.
ووصف قاسم هذه الادعاءات بأنها أكاذيب لا أساس لها من الصحة، تهدف لإيجاد مبرر لاستمرار العدوان وتصعيده ضد القطاع، والتحريض على الحركة والشعب الفلسطيني، رغم الالتزام الكامل والشامل من الحركة وجميع الفصائل باتفاق وقف إطلاق النار.
وأشار المتحدث باسم "حماس" إلى أن المشهد الراهن يعكس عجز الدول الوسيطة، وعدم رغبة الأطراف القادرة على الضغط في القيام بدورها، إلى جانب صلف الاحتلال واستعصاء المسار السياسي بسبب الحسابات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما مع "تفهّم: أطراف دولية ومنها مجلس السلام لموقف رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.
الانتخابات حق وطني
وفي الشأن الفلسطيني الداخلي، تطرق قاسم، في حديثه لوكالة "صفا" إلى الأزمة السياسية، مؤكداً أن الحالة الفلسطينية عانت طويلًا من استمرار السلطة الفلسطينية في احتكار القرار الوطني ومصادرة إرادة الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه وقياداته، سواء على مستوى الرئاسة أو المجلس التشريعي.
وأضاف أن السلطة تلاعبت بهذا الملف على مدار سنوات طويلة، ما حال دون إجراء الانتخابات لأكثر من عشرين عامًا، حيث لم تُجرَ أي انتخابات رئاسية أو تشريعية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس خلال هذه الفترة الطويلة.
وأوضح أن تعطيل الانتخابات يعود إلى مخاوف السلطة الفلسطينية من الخسارة، فضلاً عن عدم توحّد حركة فتح وخوضها الانتخابات بقائمة موحدة، وهو ما يدفع قيادة السلطة في كل مرة إلى تأجيل هذا الاستحقاق.
وأكد قاسم أن التأجيل المستمر والمتكرر أدى إلى تآكل شرعية السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، نتيجة العجز عن تحقيق الأهداف التي أُنشئتا من أجلها، إلى جانب تفشي الفساد والاستفراد بالقرار.
وشدد على أنه لا يجوز استمرار تفرد السلطة بملف الانتخابات، داعيًا إلى أن تتضمن مخرجات أي لقاء وطني مقبل آليات واضحة تحول دون استمرار مصادرة إرادة الفلسطينيين أو منعهم من ممارسة حقهم الانتخابي.
وقال قاسم: "الانتخابات حق أصيل للشعب الفلسطيني وليست منّة من أحد، وهي استحقاق واجب على السلطة لا يجوز إخضاعه للحسابات السياسية أو تأجيله وفقًا لمصالح الأطراف المختلفة".
وأشار إلى وجود وعود جارية بإجراء حوار وطني شامل يضم مختلف الأطراف الفلسطينية لوضع جميع القضايا على الطاولة، مؤكدًا أن السلطة الفلسطينية لم تقدم الضمانات الكافية لإنجاحه، رغم الاستجابة الإيجابية من الفصائل للدعوة.
وشدد المتحدث باسم حركة "حماس" حازم قاسم على أن الحوار الوطني المقبل يجب ألا يتحول إلى غطاء لاستمرار الانقسام أو وسيلة للمماطلة، مشيراً إلى أن السلطة تدعو للحوار وتلغيه متى شاءت، وتعلن الانتخابات ثم تؤجلها إذا قدّرت أنها ستخسرها مستغلة الظروف الصعبة للشعب الفلسطيني.
وأكد أن الخروج الحقيقي من الأزمة يتطلب إطلاق حوار جاد وشامل، معربًا عن أمله في إنهاء الانقسام الداخلي بحركة فتح باعتباره أحد أسباب تعطيل الانتخابات.
