تتساقط الأيام من تقويم المعاناة في غزة لتكتب وثيقة جديدة عن وجع الفلسطيني المتواصل، فحكاية الأسير المحرر مجدي الأيوبي، ظلت شاطئاً صخرياً تتكسر عليه أمواج التنكيل والإبادة الممنهجة.
هذا كان بدءاً من أروقة المعتقلات وشواهد التعذيب، وتحديدًا معتقل "سدي تيمان"، المشهور بأفظع الجرائم بحق أسرى غزة، وصولاً إلى استهدافه المباشر الذي وضع حداً لرحلة النزيف الطويلة.
ولم تكن الشهادة المسجلة التي تركها الأيوبي، قبل ارتقائه مجرد مقطع مصور يروي فيه تفاصيل تفوق الخيال، بل كانت وثيقة حية تختزل حجم الأهوال التي تجرعها في معتقل "سدي تيمان".
الأيوبي "الشاهد"، روى بنفسه لحظة وصوله حين استقبلهم جنود الاحتلال فور نزولهم من الحافلة بصدمة التهديد: "أهلاً بكم في جهنم"، لتبدأ رحلة تعذيب ممتدة قضاها طوال ثلاثة وخمسين يوماً تحت العصاب المحكم للأعين والقيود المكبِلة.
مجدي الأسير تحدث بعد تحرره، بنبرة الحزن الصامت عن أيام المعتقل التي عادلت في ثقلها وقسوتها العمر بأكمله، حيث لا راحة ولا أمان، بل هيئة بطش سُلب فيها الأسرى أدميتهم وآدميتهم.
غير أن العذاب داخل غياهب السجون لم يكن سوى الفصل الأخير من مأساة أعمق.
كشف عن فصولها رفيقه محمد قاعود، الذي دون شهادته عن مجدي، بعد لحظات من استشهاده أمس، لتكتمل قصة الشاهد الشهيد.
ثلاث مقاتل تنتهي بالعلو
واستذكر قاعود، تفاصيل مقتلة الأيوبي الأولى، قائلاً إنه "حين توغلت قوات الاحتلال في حي الزيتون بغزة قبل نحو عامين، حوصر مجدي داخل منزله برفقة والدته وزوجته الحامل في شهرها الأخير".
يكمل "أثناء التحقيق الميداني، أمر جنود الاحتلال الأم والزوجة بالسير شمالاً تحت تهديد السلاح، ليتبعهما قصف مباشر أدى لارتقائهما مع الجنين على الفور".
في ذلك المشهد، وبأن عين الأيوبي، تعمد ضابط "الشاباك" المباهاة بنتيجة القتل أمام الأسير المقيد، ليزيد من سادية التنكيل النفسي والجسدي بحقه.
وبعد، مرت الأيام، ونجا الأيوبي من مسلخ المعتقل محملاً بوجع الجسد وفقد العائلة كاملة، حاول أن يواصل حياته مثقلاً بشوقه، لأمه، لزوجته، لطفله، الذي لم يُكتب له أن يحضنه ولو للحظة واحدة.
لكن الاحتلال أصر على إغلاق صحيفته بالدم، ليستهدف يوم أمس سيارة مدنية كان يستقلها بمدينة غزة، ويرتقي مجدي الأيوبي، شهيداً بعد أن كان شاهداً.
وبهذه الجريمة تكتمل مقتلة الأيوبي الثالثة، بالشهادة، والعلو نحو أمه وزوجته وطفله، لتُروى قصته، وكأنها مقاطع من رواية أبطال الخيال، فيما بالحقيقة وراءه، قصة حية تصرخ في وجه هذا العالم بفظاعة جريمة احتلال، يتغنى بالسادية.
