غزة - خاص صفا
على مدار ثلاثة أعوام من حرب الإبادة، عملت طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة في ظروف ميدانية بالغة الصعوبة، وسط قصف متواصل ودمار واسع طال مراكزها وآلياتها ومقدراتها، وخسائر بشرية كبيرة في صفوف عناصرها.
ومع تراكم عشرات الملايين من أطنان الركام وبقاء آلاف المفقودين تحت الأنقاض، تواجه الطواقم تحديات متزايدة في عمليات البحث والإنقاذ وانتشال جثامين الشهداء، في ظل نقص المعدات الثقيلة والآليات وقطع الغيار، إلى جانب مخاطر المباني الآيلة للسقوط والذخائر غير المنفجرة.
وفي حوار خاص لوكالة "صفا"، يتحدث المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل عن الواقع الإنساني في القطاع بعد ثلاثة أعوام من الحرب، وحجم الخسائر التي لحقت بالدفاع المدني، والتحديات التي تواجه طواقمه في انتشال جثامين الشهداء والتعامل مع الركام والمباني المتضررة والذخائر غير المنفجرة، فضلًا عن احتياجات إعادة بناء قدراته.
الوضع الإنساني
ويصف بصل الوضع الإنساني في القطاع بعد ثلاثة أعوام من الحرب بأنه صعب للغاية، مشيرًا إلى أن الآثار الحالية للحرب هي نتيجة مباشرة لما تعرض له القطاع خلال سنوات الحرب.
ويوضح أن الاحتلال ارتكب خلال فترة الحرب ممارسات أدت إلى كارثة إنسانية واسعة، طالت مختلف جوانب حياة المواطنين، الذين فقدوا منازلهم وأماكن سكنهم ومصادر دخلهم وتجارتهم، فضلًا عن فقدانهم مقومات الحياة الأساسية.
ويضيف أن المواطن في قطاع غزة يعيش اليوم في خيام لا تصلح للعيش، دون مصدر دخل، ويعتمد على المساعدات والطرود وما يتوفر له من إمكانات محدودة، في ظل ظروف معيشية قاهرة وصعبة للغاية.
ولم تقتصر تداعيات الحرب، وفق بصل، على مستوى المعيشة، بل طالت التعليم والصحة والخدمات العامة.
ويبين أن الطلاب لم يتمكنوا طوال ثلاثة أعوام من الذهاب إلى المدارس بالشكل الصحيح، فيما تعرضت المستشفيات والمنظومة الخدماتية لدمار واسع، ولم تعد هناك بنية تحتية أو مقومات حياة بالحد الأدنى المطلوب.
ويؤكد أن أبرز التداعيات التي يواجهها المواطن تتمثل في غياب مقومات الحياة الأساسية، إذ يفتقر النازحون إلى البنية التحتية والخصوصية، فضلًا عن عدم توفر الحماية الكافية من الظروف الجوية والقوارض والحشرات، وما يترتب على ذلك من انتشار الأمراض، وزيادة الضغوط النفسية، وظهور إشكالات ومناكفات اجتماعية.
ووفق بصل، يعيش أهالي القطاع في مناطق معزولة ومدمرة بالكامل، لا تصل إليها المركبات، ما يضطرهم إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام حتى عند الحاجة إلى زيارة أقاربهم أو المشاركة في مناسبات اجتماعية.
ويقول إن الدمار أصبح مشهدًا حاضرًا في مختلف شوارع قطاع غزة، حيث لا يكاد يخلو شارع من آثار القصف والانهيارات والدمار، إلى جانب وجود الشهداء والجرحى والمفقودين تحت الأنقاض.
خسائر الدفاع المدني
وحول خسائر الدفاع المدني، يوضح بصل أن طواقم الدفاع المدني عملت على مدار ثلاثة أعوام بكل ما توفر لديها من إمكانات، إذ استشهد 148 عنصرًا من طواقمها، وأصيب نحو 300 آخرين جراء الحرب، وتعرض عدد من أفراد الطواقم لفقدان عائلاتهم وأبنائهم.
ويضيف أن نحو 90% من مقدرات الدفاع المدني دُمرت خلال الحرب، بما يشمل مركبات الإطفاء والإنقاذ والإسعاف، فيما أصبحت الآليات المتبقية متهالكة وغير صالحة للعمل بالشكل المطلوب، كما جرى تجريف مقر المديرية العامة بالكامل، إلى جانب تدمير مخازن المعدات وأدوات الإنقاذ.
ويحذر بصل من أن استمرار نقص الزيوت وقطع الغيار والبطاريات والإطارات قد يؤدي إلى توقف الخدمة بشكل كامل، خصوصًا أن المركبات الموجودة بحاجة ماسة إلى هذه المستلزمات.
ويشير إلى أن البنية التحتية للدفاع المدني تعرضت هي الأخرى لدمار واسع، موضحًا أنه من أصل 16 أو 17 مركزًا لم يتبق سوى مركزين، أحدهما تعرض لأضرار جزئية والآخر لم يتضرر، فيما دمرت بقية المراكز بشكل كامل.
وخلال ثلاثة أعوام من الحرب، اكتسب عناصر الدفاع المدني خبرات ميدانية واسعة في التعامل مع مختلف الظروف والمهام، نتيجة العمل المتواصل في ظل القصف والدمار ونقص الإمكانات.
ويؤكد بصل أن إعادة بناء الدفاع المدني لا تتطلب تغيير الكادر البشري، وإنما توفير الإمكانات والمعدات اللازمة لتمكينه من أداء مهامه الإنسانية، مشددًا على أن الطواقم الحالية تمتلك الخبرة الكافية والقدرة على القيام بواجباتها.
وتركت الحرب، كما يقول بصل، آثارًا نفسية صعبة على طواقم الدفاع المدني، بعدما فقد العديد منهم أبناءهم ونساءهم وإخوانهم ومنازلهم، إلى جانب إصابة آخرين، بينهم حالات بتر وإصابات تحتاج إلى تدخلات جراحية عاجلة وسفر للعلاج.
ويردف أن حجم الدعم المطلوب لإعادة بناء جهاز الدفاع المدني يُقدر بنحو 40 مليون دولار، بما يتناسب مع الجغرافيا والواقع الموجود داخل القطاع، مؤكدًا أن توفير هذا الدعم من شأنه إعادة بناء الجهاز وتمكينه من أداء مهامه الإنسانية.
انتشال جثامين الشهداء
ويوضح أنه منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى الآن، جرى انتشال نحو ألف شهيد من تحت أنقاض المباني المدمرة، بالتعاون مع جهات عدة، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي ساهمت في تمويل المشروع وتوفير الحفارات.
ويتابع أن آلاف الأسر ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها الذين فقدوا تحت أنقاض المباني المدمرة، مقدرًا عدد المفقودين تحت الأنقاض بنحو 8 آلاف شخص، في وقت ما تزال فيه عمليات الانتشال مستمرة.
ويبين أن فرق الدفاع المدني تعمل في عمليات الانتشال بالتعاون مع الجهات المختصة في الصحة والطب الشرعي وغيرها، إلا أن نقص المعدات الثقيلة يمثل إحدى أبرز العقبات التي تواجهها.
ويفيد بأن المشروع الحالي، الذي يُنفذ بالتعاون مع الصليب الأحمر، يعتمد على حفّارين فقط، يعمل أحدهما في شمال القطاع والآخر في المنطقة الوسطى.
لكن في ظل الإمكانات الحالية، ومع انتشال نحو ألف شهيد، قد تستغرق عملية إنهاء ملف المفقودين تحت الأنقاض قرابة ثمانية أعوام.
ومنذ بداية الحرب، جرى تقديم عدة مطالب وحتى قبل وقف إطلاق النار، شملت توفير 10 حفارات، و10 جرافات، و30 شاحنة، بما يسمح بإنجاز الملف خلال فترة أقصر.
ويؤكد بصل أن تسريع عمليات البحث والانتشال يتطلب توفير المعدات الثقيلة، إلى جانب مختبرات ومختصين في عمليات التعرف على الجثامين.
وفيما يتعلق بالتعرف على جثامين الشهداء، يقول بصل إن التعرف على جثامين الشهداء يمثل تحديًا آخر، إذ تضطر بعض الأسر إلى التعرف على ذويها من خلال الملابس أو المقتنيات الشخصية، مثل القلائد، أو الشعر، أو أي علامات يمكن الاستدلال من خلالها على هوية الشخص.
ويضيف أن هناك جثامين لا يمكن التعرف على أصحابها بشكل قطعي، في ظل غياب الفحوصات والمختبرات والإمكانات اللازمة لإجراء تحاليل دقيقة على الرفات والعظام.
ويوضح أن عمليات التعرف تتم في كثير من الحالات بالعين المجردة، وهو أمر لا يمكن اعتباره دقيقًا، مؤكدًا أن هذا الملف يمثل إحدى الصعوبات التي تعيق عمل طواقم الدفاع المدني خلال عمليات الانتشال.
الركام والمباني الآيلة للسقوط
ويشير بصل إلى أن الركام المنتشر في قطاع غزة يمثل عائقًا أمام حركة طواقم الدفاع المدني وعملها، مقدرًا حجمه بنحو 61 مليون طن، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى المواقع وتنفيذ عمليات البحث والإنقاذ والانتشال.
ويحذر من خطورة المباني الآيلة للسقوط، موضحًا أن نحو ألفي مبنى في القطاع معرضة للانهيار في أي لحظة، جراء الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب، فيما يضطر المواطنون إلى السكن في بعضها لعدم وجود بدائل.
ويؤكد أن البدائل المتاحة، لا سيما الخيام، لا توفر ظروفًا ملائمة للحياة، في ظل استمرار غياب المأوى الآمن والمناسب.
وبحسب بصل، فإن الدفاع المدني لا يزال عاجزًا عن اتخاذ إجراءات وقائية تحول دون وقوع الكوارث بسبب نقص الإمكانات، مشيرًا إلى أن حادثة "عمارة السعادة" كانت بمثابة ناقوس خطر، حيث طالب خلالها المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالوقوف أمام مسؤولياتها وتوفير بدائل آمنة للسكان، إلا أن هذه البدائل لم تتوفر حتى الآن.
الذخائر غير المنفجرة
وعن الذخائر غير المنفجرة في القطاع، يحذر المتحدث باسم الدفاع المدني من مخاطر الذخائر المنتشرة في القطاع، مشيرًا إلى وجود نحو 71 ألف طن من الذخائر موزعة تحت المباني وفي الطرقات والشوارع والأراضي الزراعية والمناطق المختلفة.
ويشدد على أن التعامل مع هذه المخلفات يمثل خطرًا كبيرًا، في ظل غياب الإمكانات اللازمة لإزالتها، فضلًا عن الحاجة إلى تنسيق واسع وحساس مع الجهات المختصة، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويضيف أن عمليات الانتشال نفسها قد تنطوي على مخاطر، إذ يمكن أن تصطدم الطواقم أثناء العمل بأحد مخلفات الحرب، ما قد يؤدي إلى انفجار أو وقوع كارثة، في ظل عدم توفر الإمكانات الكافية للتعامل مع هذه المخاطر.
وحول إعادة الإعمار، يؤكد بصل أن إعادة الإعمار يجب أن تتم بشكل متزامن مع إعادة إحياء المناطق والمنظومة الخدماتية وإعادة الحياة إلى المواطنين، إلى جانب إعادة بناء المباني والبنية التحتية وإزالة الركام.
ر ش
