في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أطلقت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، وفصائل فلسطينية عملية "طوفان الأقصى"، عبر هجوم مفاجئ شمل اختراق السياج الفاصل واستهداف مواقع عسكرية ومستوطنات في غلاف غزة ونقل أسرى إلى القطاع.
وفي أعقاب الصدمة الأمنية والعسكرية غير المسبوقة، أعلنت حكومة الاحتلال الإسرائيلية ، حالة الحرب وشنت عدواناً شاملاً على قطاع غزة.
ومع استعصاء المقاومة وفشل جيش الاحتلال في تحقيق أهدافه العسكرية المعلنة، تدرج الاحتلال في استخدام القوة العسكرية وتوسيع دائرة استهداف المدنيين والبنى التحتية، لتحويل دمار القطاع، إلى استراتيجية بديلة يغطي بها على عجزه الميداني وتخفيف آثار عزلته الدولية المتزايدة، مستغلاً شعارات "الأهداف الاستراتيجية" كغطاء سياسي للمجازر بحق السكان.
وبعد ثلاثة أعوام، تدخل غزة عامها الرابع بحصيلة بلغت، وفق أحدث بيانات وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي في القطاع حتى 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، 74,245 شهيدا و175,267 مصابا، بينهم أكثر من 21,638 طفلا وأكثر من 22 ألف امرأة و4,813 من كبار السن، إضافة إلى استشهاد أكثر من 1,701 من العاملين في القطاع الصحي.
كما استشهد 1,462 فلسطينياً منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وأصيب 5,151 آخرون، وانتشلت جثامين 836 شهيدا من تحت الأنقاض.
إعلان الحرب وبدء العدوان
مع اتساع هجوم طوفان الأقصى، أعلنت حكومة الاحتلال حالة الحرب، وبدأ جيش الاحتلال في الساعات الأولى بشن غارات جوية مكثفة على قطاع غزة.
وفي اليوم نفسه بدأت موجات القصف باستهداف مناطق سكنية ومواقع مختلفة في القطاع، قبل أن تتوسع العمليات لاحقا لتشمل البنية التحتية والمنازل والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء.
وفرض الاحتلال حصارا شاملا على القطاع، شمل قطع إمدادات الكهرباء والمياه والوقود، وتشديد القيود على دخول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية.
وبذلك انتقل المشهد من عملية عسكرية فلسطينية واسعة في السابع من أكتوبر إلى عدوان إسرائيلي شامل على قطاع غزة استمر لثلاثة أعوام، وتخللته عمليات برية واسعة واجتياحات وحصارات ونزوح متكرر.
من الشمال إلى كامل القطاع
في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصدر جيش الاحتلال أوامر بإخلاء شمال قطاع غزة والتوجه جنوبا، فيما نزحت أعداد كبيرة من السكان من مدينة غزة وشمال القطاع باتجاه المناطق الجنوبية.
وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، دخلت أولى شاحنات المساعدات عبر معبر رفح، لكنها بقيت أقل بكثير من الاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول، بدأ الاحتلال توغلا بريا واسعا في شمال القطاع، بالتزامن مع قصف مكثف وانقطاع واسع للاتصالات.
وفي 15 نوفمبر/تشرين الثاني، اقتحمت قوات الاحتلال مجمع الشفاء الطبي بعد حصاره، فيما كانت مستشفيات شمال القطاع قد دخلت مرحلة انهيار متسارع نتيجة القصف ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات.
أول وقف لإطلاق النار
في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أعلن التوصل إلى اتفاق هدنة إنسانية، ودخل حيز التنفيذ في 24 نوفمبر لمدة أربعة أيام، قبل تمديده ليصبح سبعة أيام.
ونص الاتفاق على الإفراج عن 50 أسيراً إسرائيلياً من النساء والأطفال مقابل 150 أسيراً فلسطينياً من النساء والأطفال، إلى جانب زيادة إدخال المساعدات والوقود.
وخلال الهدنة جرت عمليات تبادل متتالية، وأعلنت الأمم المتحدة في اليوم الأول الإفراج عن 13 أسيرا إسرائيليا و39 أسيرا فلسطينيا.
وانتهت الهدنة في الأول من ديسمبر/كانون الأول، واستأنف الاحتلال عملياته العسكرية، وانتقل بثقل عملياته البرية إلى جنوب القطاع، ولا سيما خان يونس.
خان يونس ورفح
خلال ديسمبر 2023 ويناير وفبراير 2024، توسعت العمليات البرية في خان يونس، وحاصرت قوات الاحتلال مناطق سكنية ومرافق صحية، بينها مستشفى ناصر.
وفي 2 يناير/كانون الثاني 2024، استشهد نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري جراء عملية اغتيال إسرائيلية في العاصمة اللبنانية بيروت.
وفي مارس 2024، اغتال الاحتلال الإسرائيلي القيادي البارز في كتائب القسام مروان عيسى.
وفي 7 مايو/أيار 2024، سيطرت قوات الاحتلال على الجانب الفلسطيني من معبر رفح وبدأت عملية عسكرية في المدينة التي كانت تؤوي مئات آلاف النازحين.
وفي 13 يوليو/تموز، اغتالت قوات الاحتلال قائد كتائب القسام محمد الضيف، وقائد لواء خان يونس رافع سلامة، بقصف غربي المدينة.
وفي 31 يوليو/تموز، استشهد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية بعملية اغتيال إسرائيلية في العاصمة الإيرانية طهران.
وفي 17 أكتوبر/تشرين الأول 2024، استشهد رئيس حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار خلال اشتباك مع قوات الاحتلال في رفح، وكان يرتدي بزّته العسكرية.
اتفاق يناير 2025
في 15 يناير/كانون الثاني 2025، أعلن الوسطاء التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.
ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 19 يناير، ونصت مرحلته الأولى على وقف العمليات العسكرية لمدة 42 يوما، وإطلاق سراح أسرى إسرائيليين وأسرى فلسطينيين، وزيادة المساعدات الإنسانية.
وفي المرحلة الأولى، أطلق سراح 25 أسيراً إسرائيلياً و5 أسرى تايلانديين، وسلمت جثامين 8 أسرى إسرائيليين، مقابل الإفراج عن 1,777 أسيرا فلسطينيا.
عودة العدوان في مارس 2025
في 2 مارس/آذار 2025، أوقفت "إسرائيل" إدخال المساعدات إلى القطاع، وفي 18 مارس استأنفت عملياتها العسكرية واسعة النطاق.
وعادت الغارات والقصف المدفعي والعمليات البرية إلى مناطق واسعة من قطاع غزة، وتواصلت العمليات حتى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
وخلال هذه المرحلة، اغتالت "إسرائيل" القيادي البارز في كتائب القسام محمد السنوار في مايو 2025.
وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، توصلت الأطراف إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بوساطة الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا، وبدأ تنفيذ الاتفاق في 10 أكتوبر.
وشمل الاتفاق وقفا للعمليات العسكرية، وانسحاباً إسرائيلياً جزئياً، وإدخال المساعدات، وإطلاق الأسرى.
وفي 13 أكتوبر، أفرجت "حماس" عن الأسرى الإسرائيليين الأحياء المتبقين وعددهم 20، فيما أفرجت إسرائيل عن 250 أسيراً فلسطينياً محكوماً بالمؤبد و1,718 معتقلا من قطاع غزة.
وفي 26 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن استعادة آخر رفات أسير إسرائيلي متوفى.
ورغم وقف إطلاق النار، استمر إطلاق النار والغارات والتوغلات ونسف المنازل في مناطق مختلفة من القطاع. وبحسب وزارة الصحة في غزة، استشهد 1,462 فلسطينياً وأصيب 5,151 منذ بدء وقف إطلاق النار، فيما انتشلت جثامين 836 شهيداً حتى 6 أكتوبر 2026.
ثلاثة أعوام.. حصيلة تتجاوز 74 ألف شهيد
وبعد ثلاثة أعوام على طوفان الأقصى والعدوان الذي أعقبه، بلغت حصيلة الشهداء في قطاع غزة 74,245 شهيدا، فيما بلغ عدد الإصابات 175,267، بحسب وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي.
وتظهر قاعدة بيانات الوزارة أن أكثر من 21,638 طفلا وأكثر من 22 ألف امرأة و4,813 من كبار السن استشهدوا خلال هذه الفترة، فيما استشهد أكثر من 1,701 من العاملين في القطاع الصحي.
كما وثق المكتب الإعلامي الحكومي استشهاد مئات الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام منذ بداية العدوان.
غزة.. دمار يتجاوز حدود الإحصاء
لم تقتصر آثار العدوان على الخسائر البشرية، إذ تعرضت المنازل والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس والمنشآت الاقتصادية وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء لدمار واسع.
وقدّر التقييم الشامل للأضرار والاحتياجات الذي أعدته الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في أبريل 2026 احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال أول 18 شهرا.
كما قدر حجم الأضرار المادية بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار، فيما تضررت أو دمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية.
وتقدر كمية الركام الناتج عن الدمار بنحو 68.1 مليون طن، تختلط به مخلفات خطرة تشمل مياه الصرف الصحي والمواد الطبية والخطرة والأسبستوس ومخلفات الذخائر غير المنفجرة.
الصحة والتعليم والمجاعة
تضررت المنظومة الصحية بصورة واسعة، فيما تعرضت المستشفيات والمنشآت الطبية والعاملون الصحيون لهجمات متكررة، وأُجلي نحو 12,400 مريض للعلاج خارج القطاع منذ أكتوبر 2023.
كما أدى تدمير المدارس والنزوح المتكرر إلى تعطيل تعليم مئات آلاف الأطفال، بينما تعمل مساحات تعليم مؤقتة في أجزاء من القطاع لاستيعاب أعداد من الطلبة.
وعلى صعيد الغذاء، لا تزال أزمة الأمن الغذائي حادة، ويواجه أكثر من 1.2 مليون شخص مستويات من انعدام الأمن الغذائي عند مرحلة الأزمة أو أسوأ، في ظل استمرار القيود على دخول المساعدات وتراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.
أما المياه والصرف الصحي، فتواجه أزمة متفاقمة، مع اعتماد نسبة كبيرة من الأسر على المياه المنقولة بالصهاريج، وتعطل محطات معالجة مياه الصرف الصحي ومحطات الضخ.
ثلاثة أعوام من التحولات
وتحولت حرب الإبادة على غزة خلال ثلاثة أعوام إلى عمليات برية متتالية مستمر، وحصار ونزوح واسع، وتدمير هائل، وسلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، قبل أن يستمر ارتقاء الشهداء حتى بعد اتفاق أكتوبر 2025، ولليوم.
وفي الذكرى الثالثة، لا تزال غزة تعيش الإبادة، وما تلا هذه الحرب، وسط قصف مستمر وشهداء يوميًا، ودمار بحاجة لعشرات المليارات لإعادة بناء ما تهدم.
