تتشابك أزقة يافا الشاهدة على لوعة الانتظار، مع ركام البنايات المنهارة في خان يونس، لترسم التفاصيل المؤلمة لحكاية عائلة بياري مع الغياب الممتد منذ ثلاثة أعوام، في ظل حالة من الذهول والشك السائد حول مصير رب الأسرة محمود بياري.
بدأت الفصول عندما قصد محمود قطاع غزة في زيارة عائلية سريعة قبل اندلاع العدوان، لتتحول تلك السفرة إلى احتجاز القسري بفعل تطور الأحداث والميدان.
ومع اشتداد القصف وانقطاع سبل التواصل، تضاءلت الأخبار تدريجياً حتى كانت المحطة الأخيرة في بناية سكنية بخان يونس تعرضت لاستهداف مباشر عام 2024، حيث جرى العثور على جثمان مسن كان برفقة محمود.
لكن أثر الأخير اختفى تماماً، دون أن تتمكن أية جهة من الوصول إلى دليل يثبت نجاته أو يقر باستشهاده.
زيارة واتصال مفقود
يعبر نجله سعيد في حديث لوكالة "صفا"، عن وطأة هذا المجهول الذي يكبل حياة العائلة ويحرمها من مواصلة أياً من تفاصيلها الطبيعية.
يقول "ذهب أبي لزيارة أقارب لنا ومعارف في غزة، قبل حرب غزة بأيام".
ويضيف "تواصلنا معه على هاتف من كان عندهم، ولم يكن هناك رد، حتى اشتدّت الحرب وأفقدنا هذا الاتصال بأي أحد، بسبب انقطاع الاتصالات والإنترنت".
وظلت العائلة تحاول الوصول لخيط، يوصلهم للأب المفقود، بين دخان إبادة، لم تتوقف لشهور طويلة.
يقول سعيد "إن كل ما ترجوه العائلة اليوم هو الوصول إلى حقيقة واضحة تنهي حالة الضياع التي تعيشها، على الأقل أن نجد دليل على استشهاده أو عدمه".
ويؤكد أن العجز عن معرفة أين يقف والدهم، يجعل المرور بأي مناسبة اجتماعية أو التفكير في غدٍ، مجرد ثقل إضافي على الصدور.
ولا تقف قصة بياري عند حدود عائلته، بل تجسد جزءاً من ملف إنساني ضاغط في قطاع غزة، حيث تشير تقديرات لجنة المفقودين إلى وجود أكثر من 5 آلاف مفقود تحت الأنقاض وفي مناطق التوغل والإخلاء القسري منذ بدء العدوان.
وتقف العائلة الثكلى اليوم، بجانب أهالي غزة، يواجهون مصيراً معلقاً بين الأمل والتعاطي مع واقع الرحيل دون جثامين أو دليل عليه، أو إجابات جازمة.
