في شوارع غزة التي اختُزلت فيها مظاهر الحياة ببقايا حديد يتنقل بين الركام، لم تكن "العِقلاه" مجرد عربة تجرها حافلة، بل كانت شريان التنقل الأخير لمن أثقلتهم المسافات وانعدمت في وجههم أنواع المحروقات.
اليوم، وتحديداً قرب مجلس الوزراء في حي تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة، حوّل استهداف إسرائيلي مباشر لهذه العربة المكتظة بالأجساد والآمال البسيطة إلى كتلة من اللهب والشظايا المتداخلة بدماء الشهداء.
المشهد لم يكن مجرد غارة إضافية في سجل الحرب، بل سابقة دموية تشير إلى طور جديد من مجازر "التصيد".
أجسادُ ركابٍ كانت تبحث عن دواء أو لقمة عيش، تلاشت في لحظات خاطفة بين الصفيح الممزق والعجلات المتفحمة.
تحولت العربة المكشوفة، التي افتقرت لأدنى مقومات الحماية، إلى مصيدة مفتوحة صُممت لتعظيم أعداد الضحايا، حيث لم تترك الشظايا المتناثرة في المساحة الضيقة جسداً، إلا وأثبتت فيه أثرها بين ارتقاء مباشر وبتر يترجم وحشية الفكرة.
هذا النمط الجديد من الاستهداف يحمل في طياته دلالات تتجاوز سفك الدماء المباشر، ليكون إعلان حرب على أدوات صمود الشارع الفلسطيني، ومحاولة لقطع شريان الحركة البديل الذي ابتكره المواطنون لكسر الحصار والدمار.
استهداف وسيلة النقل الشعبية هذه يبعث برسالة مرعبة مفادها أن كل محاولة مجتمعية لابتكار التأقلم ستُقابل بالموت، وأن أي حركة داخل الأحياء أضحت مغامرة غير محسوبة العواقب، وفق مواطنين.
ضرب البنية المدنية
وفي تعقيب على هذا التحول الخطير، يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة، إسماعيل الثوابتة، أن الاستهداف المباشر لـ"باص عِقلاه" يحمل دلالات خطيرة تعكس تطوراً في منهجية الاحتلال بضرب البنية المدنية البديلة.
ويشدد لوكالة "صفا"، على أن هذا التطور يضع أمن المواطنين في النقل العام أمام تحديات قاسية.
وتمثل "العقلاه" وسيلة النقل الاضطرارية الأبرز في غزة بعد تدمير المركبات وانعدام الوقود.
ويحذر الثوابتة من أن استهدافها يعكس سياسة ممنهجة لضرب شريان الحركة الأخير المتبقي، لمنع المواطنين من تلبية احتياجاتهم الأساسية من علاج أو تنقل.
خشبة يستهدفها صاروخ
وتفتقر عربات "العقلاه" المكشوفة لأدنى معايير السلامة، وتكون في الغالب مكتظة بالركاب، وموصولة بمركبة عمومية.
ولهذا يقول الثوابتة "إن استخدام الصواريخ أو القذائف الموجهة ضدها يضمن للاحتلال إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا في ضربة واحدة".
ويؤكد أن الاحتلال يرسل رسالة دموية مفادها، أن أي محاولة مجتمعية لابتكار حلول بديلة تخفف من وطأة حرب الإبادة وتكسر حصار التنقل، سيتم استهدافها فوراً.
وينوه إلى أن هذا الاستهداف، يسقط أي ضمانات متبقية بوجود بيئة مدنية آمنة للحركة، ويجعل من استخدام المواصلات البسيطة مغامرة مباشرة نحو الموت.
ونظراً لكون العربة مكشوفة ومصنوعة من مواد خفيفة كالخشب أو حديد معاد تدويره، فإن الشظايا والضغط الانفجاري يؤديان إلى قتل مباشر وبتر أطراف الركاب وتشوهات بالغة، وهو ما يفسر ارتقاء الشهداء وارتفاع نسبة الإصابات الحرجة في حوادث قصف هذه العربات.
كما يحذر الثوابتة من أن بث الرعب في نفوس السائقين وأصحاب هذه المركبات، سيؤدي إلى شلل إضافي في منظومة النقل.
ويكمل "هذا مما يهدد بتقطيع أوصال المدينة وعزل الأحياء السكنية عن المستشفيات أو الأسواق المركزية تماماً".
وبينما تتصاعد أدخنة الحادثة من قلب تل الهوا، يخيم الرعب على حركة السائقين ووسائل النقل المتبقية، لتواجه غزة خطراً جديداً يهدد بشللٍ تام في الحركة، وتقطيع ما تبقى من أوصال المدينة وعزل أحيائها عن المستشفيات والأسواق.
وبهذا النوع من القتل، يغدو الطريق نحو الاحتياجات الأساسية بغزة، مساراً محفوفاً بالقتل العمد، من احتلال لم يترك بابًا للحياة في غزة إلا حاول إغلاقه.
