web site counter

"المنازل المعلّقة".. عائلات في غزة تفر من الخيمة إلى سقف يتهدده الانهيار

غزة - خـاص صفا

في أزقة قطاع غزة التي أثقلتها الحرب، لم تعد مفاهيم "الأمان" و"البيت" تبدو كما كانت، فبين خيمةٍ مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، وبين جدرانٍ مائلة تصدعت أساساتها، وجدت مئات العائلات الفلسطينية نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما الموت البطيء وكدر العيش تحت قماش الخيام، أو التعايش المباشر مع خطر الانهيار المفاجئ لمنازل آيلة للسقوط.

ففي مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يعيش المواطن خالد حسونة مع أطفاله الخمسة في الطابق الأول من بناية سكنية تعرضت لدمار جزئي في الهيكل الخرساني.

تتوسط الصالة شروخٌ رأسية يمكن للناظر من خلالها رؤية الشارع المقابل، بينما يتدلى السقف المصنوع من الباطون المتشقق ليصنع ما يشبه "المظلة المعلقة".

ويقول حسونة وهو يراقب أطفاله أثناء نومهم بخوف لا يهدأ: "نزحنا أربع مرات، وعشنا ستة أشهر في خيمة بلاستيكية تهشمت بفعل الشمس والأمطار، كان الأطفال يمرضون باستمرار، ولا نملك أدنى خصوصية أو كرامة إنسانية".

ويضيف، في حديثه لوكالة "صفا": "اضطررنا للعودة إلى ما تبقى من هيكل منزلنا، نعلم أن السقف قد يقع علينا في أيّة لحظة، لكننا اخترنا الموت تحت ركام بيتنا على أن نبقى مشردين في الشارع".

وتقول أمه العجوز، التي تجلس بالقرب من عمود خرساني تآكل حديده: "في كل مرة يقصف فيها جيش الاحتلال هنا أو هناك أو ينفذ عمليات نسف ضخمة شرقي البريج، تهتز الجدران وتهرع الأمهات لأطفالهن، نحن نعيش في خوف دائم، ولا نملك أي بديل".

وتتجسد قسوة هذه التفاصيل في المأساة المفجعة التي شهدتها منطقة شارع الصناعة غربي مدينة غزة مؤخرًا، حيث انهارت عمارة السعادة السكنية المتضررة والمكونة من عدة طوابق فوق رؤوس العائلات والنازحين المقيمين فيها وفي الخيام الملاصقة لها.

وأسفرت الكارثة عن ارتقاء 21 شهيدًا، بينهم أطفال ونساء، وإصابة نحو 45 آخرين بجروح متفاوتة، انتُشلوا بعد عمليات شاقة نفذتها طواقم الدفاع المدني بأدوات بدائية وشح حاد في الآليات الثقيلة.

وتأتي حادثة عمارة السعادة لتشكل جرس إنذار مدوٍ ودليلًا دامغًا على الكلفة الباهظة لانعدام البدائل الآمنة، حيث تحولت المباني المتصدعة جراء القصف إلى مصائد موت صامتة تطارد الفارين من هوان النزوح والخيام المهترئة.

خوف دائم

وعلى بعد مسافة قصيرة في منطقة الحساينة غربي مخيم النصيرات، تخوض عائلة عبد العال تجربة مشابهة، حيث تضررت أجزاء واسعة من بيتها المكون من طابقين، واستقرت العائلة في الغرفة الوحيدة المتبقية ذات السقف السليم نسبيًا، في حين تطل بقية الغرف على الدمار.

وتصف المواطنة تحاسين تفاصيل يومها المعقد مع أطفالها الصغار قائلةً: "أشد ما يرهقني هو منع أطفالي من الحركة أو اللعب، البيت أصبح منطقة حظر، حديد وصاج على الأبواب المؤدية للغرف المنهارة، وتحذير مستمر من الاقتراب من النوافذ المتصدعة، أطفالنا لا يعيشون طفولتهم، بل ينامون ويستيقظون على صوت تساقط غبار الأسقف وشظايا الحجارة".

وتضيف، في حديثها لوكالة "صفا": "التجربة في الخيام المجاورة كانت أقسى من أن تحتمل، الخيمة لم تحمنا من الحرارة ولا من برودة الليل، فوقفنا أمام خيار قاهر إما التعايش مع خطر السقوط أو الموت قهرًا في الخيمة".

مخاطر وتحذيرات مشددة

وتأتي هذه المشاهد الإنسانية المؤلمة في وقت تؤكد فيه وزارة الأشغال وجود أكثر من 2000 مبنى خطر وآيل للسقوط في قطاع غزة، منها مئات المباني التي تتطلب الإخلاء والهدم الفوري نتيجة التصدعات البالغة في أعمدتها الخرسانية وقواعدها الإنشائية، والتي أدت بالفعل إلى تسجيل عشرات الضحايا والإصابات نتيجة انهيارات مفاجئة.

وحذر الدفاع المدني مرارًا من أن استمرار لجوء العائلات لهذه المباني المتهالكة يمثل قنبلة موقوتة تهدد أرواح الأطفال والنساء، خاصة مع انعدام إمكانية إجراء أعمال تدعيم أو صيانة هندسية عاجلة في ظل الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال مواد البناء.

ويلفت المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل، إلى مأساة إنسانية وكارثة سلامة مجتمعية وشيكة تفاقمها أزمة المباني المتصدعة والآيلة للسقوط في مختلف المحافظات.

ويوضح بصل، في حديثه لوكالة "صفا"، أنه في أعقاب فاجعة "عمارة السعادة" التي تسببت في ارتقاء 21 مواطنًا، رصدت طواقم الدفاع المدني حوادث انهيار متتالية، بينها انهيار درج منزل في منطقة الشمعة تسبب في احتجاز خمسة أفراد وإصابة طفل، وسقوط سقف بناية في حي الزيتون فوق أحد المواطنين قبل تمكّن الطواقم من إنقاذه، إلى جانب استقبال آلاف بلاغات الاستغاثة الميدانية بشكل يومي.

ويشير إلى المعضلة القاسية التي تحكم خيارات الأهالي بالبقاء في هذه المصائد الخرسانية، موضحًا أن السبب الرئيس لرفض المواطنين الإخلاء يكمن في انعدام البديل الآدمي، "فالناس ترفض الخروج من بين الأسقف المتصدعة للذهاب إلى خيام مهترئة لا تقي حرًّا ولا بردًا ولا تصلح للعيش الإنساني، مرجّحين كفة البقاء تحت ظلال الباطون المنهار على ضياع النزوح في الخيام".

ويبين بصل أن الدفاع المدني يعمل ضمن لجنة مشتركة تضم وزارتي الأشغال والبلديات لتقييم المباني ومحاولة توفير بدائل سكنية بالتعاون مع المؤسسات الدولية، إلا أن جهود الإزالة والتدعيم تصطدم بشحٍّ حاد وشبه كامل في المعدات الثقيلة؛ حيث لا يتوفر في عموم القطاع سوى 5 حفارات تعمل تحت ضغط قياسي في عمليات انتشال الجثامين وفتح المحاور والشوارع المغلقة.

ويكشف المتحدث باسم الدفاع المدني، عن جانب آخر لا يقل خطورة، وهو استقبال جهاز الدفاع المدني أكثر من 350 ألف مناشدة تتعلق بوجود "كتل خرسانية معلقة" تتناثر في محيط منازل المواطنين ومراكز الإيواء، وتتهدد أرواح المارة والنازحين في كل لحظة.

ويوجه بصل نداء استغاثة عاجل إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للتدخل الفوري لإعادة إمداد الجهاز بالمعدات الثقيلة والمستلزمات الأساسية، محذرًا من توقف وشيك للخدمات الإغاثية الميدانية في ظل النقص الحاد في الإطارات وقطع الغيار والزيوت والبطاريات التي وصلت أسعارها إلى "مستويات فلكية" إن وُجدت.

ووسط كل هذه التحذيرات تبقى قضية "المنازل المعلقة" في غزة شواهد حية على حجم الكارثة الإنسانية، حيث تحولت أطلال البيوت من رمز للأمان إلى مصدر للتهديد اليومي.

م غ

/ تعليق عبر الفيس بوك