لم تعد الحشرجة في صدر أم محمد، ولا ارتجافُ يدي أسامة، مجرد أعراضٍ جانبية لمرضٍ مزمن، بل أضحت صدىً مباشرًا لصدأ الأرفف الخاوية في صيدليات ومستودعات الأدوية في غزة.
ففي هذا البقعة المحاصرة، لا يقاس الزمن بساعات اليوم، بل بكل دقة قلب تنتظر حبة دواء للضغط، وبكل نقطة دم تترقب جرعة أنسولين أو جلسة غسيل كلى تمنع الفشل الإجمالي.
في غزة يتعايش عشرات الآلاف مع حقيقة مريرة، أن الصاروخ ليس الوسيلة الوحيدة للاستشهاد، وأن انقطاع الدواء قاتلٌ يمارس مهامه بنفس الكفاءة وبصمتٍ مطبق.
وتتفاقم هذه المأساة مع تسجيل بيانات وزارة الصحة في غزة اتساعًا خطيرًا في الفجوة بين أعداد مرضى الأمراض المزمنة (كالضغط، السكري، والفشل الكلوي) المسجلين في قوائم الرعاية، وبين الشح الحاد في مخزون الأدوية الأساسية.
وزاد من تعقيد المشهد الاستهداف المباشر لمستودعات ومخازن الأدوية الرئيسية في مدينة غزة ودير البلح، ما أدى إلى إتلاف شحنات حيوية وتأخير إيصال العلاجات الدورية لمستحقيها.
وجوه خلف الأرقام
المواطن أسامة عبد الله (54 عامًا) مريض سكر وضغط ونازح من شمالي غزة إلى وسط القطاع يقول: "أتنقل منذ أسبوعين بين النقاط الطبية في دير البلح بحثًا عن أبسط حقوقي كمريض دون جدوى".
ويضيف، في حديثه لوكالة "صفا"، "اضطررت لتخفيض جرعة الدواء إلى النصف كي تصمد معي الأدوية المتوفرة أيامًا أطول، لكن جسدي بدأ ينهار، وضبابية الرؤية تطاردني طوال اليوم. نحن لا نموت بالصاروخ فقط، بل نموت بطريقة بطيئة لأن الدواء غير متوفر".
ويتابع بنبرة يكسوها العجز والمرارة: "كل صباح أقف أمام علبة الدواء شبه الخاوية، أزن خياراتي بين ألم اليوم وخوف الغد، فأختار مناصفة الجرعة كي أضمن بقائي بوضع صحي جيد نوعًا ما بضعة أيام أخرى".
ويقول عبد الله: "لا نطالب بكساء أو رفاهية، كل ما نريده هو حقنا الطبيعي في الحصول على حبة دواء تبقينا على قيد الحياة وتخفف عن أجسادنا هذا التعب الذي لا يطاق".
ويؤكد أن "ما نعيشه هنا هو موت موقوف التنفيذ، فالإغلاق المحكم واستمرار منع دخول الأدوية وتحويل المنشآت والمخازن الطبية إلى أهداف للقصف كشف عن سياسة واضحة لخنق المرضى جهارًا".
ويحمّل المريض عبد الله الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة كل مريض انقطع عنه دواؤه نتيجة الحصار والتعنّت الإسرائيلي.
أما الحاجة أم محمد النجار (61 عامًا) فهي مريضة بالفشل الكلوي، وتقول: "تقلصت جلسة غسيل الكلى الخاصة بي من أربع ساعات إلى ساعتين فقط، لعدم توفر المستهلكات الطبية والأدوية المرافقة للغسيل".
وتضيف "أخرج من الجلسة متعبة ومحملّة بالسموم لأنني لا أجد المقويات وأدوية فقر الدم الأساسية بعد كل عملية".
وتعلّق الحاجة النجار على قصف الاحتلال مستودعات الأدوية بقولها: "حرمنا حتى من الأمل القليل بالتعافي، وكل يوم أذهب فيه إلى المستشفى أخشى أن تكون هذه الجلسة هي الأخيرة".
كارثة غير مسبوقة
ويحذّر مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إسماعيل الثوابتة، من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يواجهها القطاع الصحي جراء سياسة الاحتلال الإسرائيلي الممنهجة بالتضييق على المرضى ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، ولاسيما علاجات الأمراض المزمنة ومستهلكات غسيل الكلى، مؤكداً أن ذلك يضع حياة آلاف المصابين أمام خطر الموت المحقق.
ويوضح الثوابتة في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن أكثر من 350,000 مريض مصاب بأمراض مزمنة باتوا يواجهون خطر المضاعفات الخطيرة أو الوفاة جراء الحرمان المتواصل من أدويتهم المعتادة واستمرار الحصار الدوائي.
كما يتهدد الموت المباشر مئات مرضى الفشل الكُلوي نتيجة النقص الحاد في الفلاتر ومستلزمات الغسيل، وتراجع قدرة المستشفيات على تقديم الجلسات الكافية، إضافة إلى وجود نحو 10,000 مريض سرطان يعانون ظروفًا قاهرة وانعدامًا تامًا للأدوية التخصصية وتوقف بروتوكولات العلاج المنقذة للحياة، وفق المسؤول الحكومي.
ويشدد الثوابتة على أن تعمد الاحتلال منع إدخال الأدوية المنقذة للحياة يمثل قرارًا بالإعدام البطيء والممنهج للمرضى، ويتجاوز الإجراءات العسكرية ليكون أداة رئيسية من أدوات الإبادة الجماعية، فضلًا عن كونه انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تكفل حماية المرضى وتوفير الرعاية الطبية لهم.
ويؤكد أن هذا الحصار الدوائي يأتي ضمن خطة مدروسة لإخراج ما تبقى من المنظومة الصحية عن الخدمة وجعل غزة بيئة غير قابلة للحياة.
ويطالب مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بالتدخل الفوري وممارسة ضغط حقيقي لفتح المعابر وإدخال القوافل الطبية والأدوية التخصصية بشكل عاجل ومستدام، مع تسهيل الإخلاء الطبي العاجل للحالات الحرجة، ولاسيما مرضى السرطان والكُلى، لتلقي العلاج في الخارج قبل فوات الأوان.
ويدعو المؤسسات الحقوقية الدولية لتوثيق جريمة الحصار الدوائي ومحاسبة قادة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية على جرائمهم المستمرة بحق المرضى والمنظومة الصحية.
