لم تكن سوى ثوانٍ معدودة تفصل بين غارتين، لكنها كانت كافية لتسجيل ملحمة إنسانية وجعها لا يزول.
اندفع الطفل محمد الزيناتي بقلبٍ، لا يعرف الخوف نحو جثمان الشاب شريف لبد، أحد أفراد طواقم الدفاع المدني الذي سقط للتو في استهدافٍ إسرائيلي بحي الشيخ رضوان غربي مدينة غزة.
لم يفكر الزيناتي "18 عاما"، في خطورة المكان أو في مسيّرة استطلاع ترقب الحركة من السماء، كل ما رآه كان جسد شريف الملقى على الأرض، يحتاج إلى يدٍ تمسح أوجاعه أو تنقله إلى بر الأمان.
وفي اللحظة التي انحنى فيها الفتى ليمد يده نحو المنقذ الشهيد، أطلقت الطائرة الإسرائيلية ذاتها صاروخها الثاني، ليغطي الغبار والشرار المكان، ويلتحق الطفل بالشهيد الذي جاء ليغيثه.
واستشهد عنصر الدفاع المدني لبد، بغارة إسرائيلية بحي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، فيما ارتقى الطفل الزيناتي، فور اندفاعه لانقاذه، بعدما باغته صاروخ آخر، في جريمة إسرائيلية مركبة.
ذهول الرحيل رغم الملحمة
وفي مشاهد الوداع القاسية القادمة من مستشفى الشفاء، جلس والد الطفل الزيناتي مذهولاً أمام جثمان نجله المغطى بالكفن الأبيض الملطخ بالدماء.
ومرددًا عبارات النعي "الله يرحمك يا حبيبي، يا بطل".
ومعطرًا يديه بدماء طفله، يقول: "ما فرحت في شبابه، حسبنا الله ونعم الوكيل".
رفاق الطفل الزيتوني ومحبوه، كُثر، ومع قوة الملحمة التي سطرها باستشهاده، لكنهم نعوه بحالة من الذهول من هول المشهد، وسياسة التكثيف الإجرامي في استهداف الأبرياء.
يستحضر صديقه المقرب محمد البلعاوي لوكالة "صفا"، رحيله المفاجىء: "محمد ما كان مجرد صاحب، كان أسرعنا حركة وأكثرنا نخوة".
ويتابع "لما سمع صوت الانفجار الأول، ما فكّر بالخوف ولا استنى الكبار، ركض بحفائه وبكل براءته يعتقد إن إيديه الصغار يقدروا يشيلوا مسعف أو ينقذوا روح".
"كنا نلعب سوا قبل دقائق، وفجأة صار بكفن وكله دم"، يصف سرعة الوداع بقهر.
يصف المشهد، "رأيته يندفع نحو شريف لرفعه عن الأرض، كان يعتقد أن بإمكانه إنقاذه، لكن الغارة الثانية كانت أسرع من نيته".
ويتساءل "ما ذنب طفل يُقصف لأنه حاول يسعف إنسان؟"، مرددًا "رحل محمد، وكل ما أطلع بالشارع سأتذكره، ركض ليحمي غيره وما رجع".
ويكرر جيش الاحتلال الاستهداف المباشر لطواقم الإسعاف والدفاع المدني، والتي كان آخرها قبل أيام قليلة حين استشهد ضابط إسعاف وأصيب آخر، أثناء تأدية واجبهما الميداني.
وحصدت حرب الإبادة على غزة، أرواح نحو 100 شهيد من كوادر الدفاع المدني ومئات الشهداء والمصابين من الطواقم الطبية والإسعافية.
