يعيش قطاع غزة ومخيمات نزوحه على وقع أزمة طاقة غير مسبوقة وكارثية، تتفاقم بفعل التدمير المنهجي والتشديد الإسرائيلي لمستويات الحصار الشامل، إذ يواصل الاحتلال، للعام الثالث على التوالي، منع إدخال الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة، وتدمير القسْم الأكبر من شبكات التوزيع الرئيسية والفرعية.
وفي انتهاك صارخ للتفاهمات والاتفاقات الدولية والإنسانية كافة، يصر الاحتلال على حظر توريد معدات الطاقة البديلة ومستلزماتها، مما تسبب في انعدام مصادر الطاقة وتحويل ما تبقى من مستلزماتها في الأسواق إلى مادة للربح الفاحش والاحتكار التجاري.
هذا التجفيف الإسرائيلي الممنهج لموارد الطاقة جعل الكميات المحصورة من ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات ترتفع إلى مستويات فلكية، حيث قفز سعر اللوح الشمسي الواحد من نحو 500 شيكل (نحو 150 دولارًا) قبل الحرب إلى أكثر من 10,000 شيكل (نحو ثلاثة آلاف دولار)، ما جعل امتلاك هذه المعدات حكرًا على مقتدري المال ومظهرًا من مظاهر الاستغلال الاحتكاري من بعض التجار في ظل غياب الرقابة وتفاقم حاجة النازحين.
ومع تحول الطاقة من رفاهية إلى ضرورة إنسانية ملحة لحفظ الأغذية وتشغيل وإضاءة الخيام وتأمين الاتصال والإنترنت وغيره، تصاعدت المطالبات الشعبية للضغط على سلطات الاحتلال للسماح الفوري وغير المشروط بدخول مستلزمات الطاقة البديلة كاحتياج أساسي لا يحتمل التأجيل.
وداخل مراكز الإيواء ومخيمات النازحين، لا تتوقف رحلة البحث اليومية عن نقطة شحن كهربائية تستنزف الوقت والمال، وسط مطالبات حثيثة من النازحين للجهات الدولية بفتح المعابر لإدخال ألواح وسلع الطاقة الشمسية لإنقاذ حياتهم من الشقاء اليومي.
معاناة يومية
ويقول النازح أبو محمد وادي (48 عامًا)، المقيم في إحدى مدارس النزوح: "نستيقظ في الصباح الباكر لا لنفكر في الطعام والشراب فحسب، بل لنبدأ رحلة البحث عن نقطة شحن كهربائية، نمشي مسافات طويلة ونحمل بطاريات ثقيلة وهواتفنا لنصل إلى أصحاب المشاريع الخاصة، والذين يطلبون مبالغ مرتفعة جدًا لشحن الجهاز الواحد، وهي تكاليف لا يملكها نازح مشرد بشكل يومي".
ويضيف، وادي في حديثه لوكالة "صفا"، "معاناتنا تتضاعف يوميًا بين الانتظار لساعات طويلة في طوابير تحت الشمس وضياع اليوم بالكامل، وبين الدفع المالي الإجباري، مطلبنا الرئيسي والأساسي اليوم لكافة الجهات والمنظمات الدولية هو الضغط لإدخال معدات وألواح الطاقة البديلة للقطاع بشكل عاجل، فهذه الطاقة بالنسبة لنا في الخيام ليست مادة ثانوية بل شريان حياة ومطلب أساسي للتخفيف من هذه المعاناة القاسية".
أما النازحة إيمان نصر فتشير إلى التبعات نفسها، قائلة: "مع انقطاع زيوت المحركات وقطع غيار المولدات، أصبح أصحاب نقاط الشحن يتحججون بهذه الأعذار لرفع التكلفة يوميًا، كنا نسدد شيكلًا أو شيكلين، أما اليوم فندفع تكاليف فوق طاقتنا لقاء نسبة شحن بسيطة لا تكفي لتشغيل إضاءة الخيمة لعدة ساعات".
وتضيف، نصر لوكالة "صفا"، "أصبحنا بين خيارين أحلاهما مر: إما البقاء في ظلام دامس وانقطاع عن العالم، أو استنزاف ما تبقى من مصاريفنا القليلة على الشحن".
وتناشد النازحة المتألمة ضرورة إدخال ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات بأسعارها الطبيعية، "لأن توفيرها سيكسر الاحتكار الموجود، ويمنحنا مقوّمًا أساسيًا من مقومات الحياة الكريمة".
"حظر البدائل يُكرّس الاحتكار"
ويبيّن المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الحظر الممتد الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على توريد مستلزمات الطاقة البديلة والكوابل والبطاريات منذ سنوات، خلافًا للتفاهمات، تسبب في شح شديد بالكميات المعروضة في الأسواق، مقابل ارتفاع هائل في الطلب.
ويؤكد أبو قمر، في حديثه لـ"صفا"، أن هذا الارتفاع القياسي في الأسعار مفسَّر اقتصاديًا بآلية العرض والطلب، حيث تؤدي ندرة السلعة وزيادة الحاجة الملحّة إليها إلى تضاعف قيمتها بشكل جنوني واستغلالها من بعض التجار، لافتاً إلى أن الطاقة تُعد الخدمة الاستراتيجية المحركة لأي اقتصاد، وأن أسعارها ومدى توفرها هما المحدد الأساسي لأسعار السلع والخدمات الأخرى، لتداخلها المباشر في عمليات الإنتاج وتعدّد استخداماتها اليومية والخدماتية.
ويوضح المختص الاقتصادي أن شل حركة قطاع الطاقة في غزة وتعطيل عمل شركة الكهرباء بشكل كامل منذ بدء الحرب والتدمير قبل نحو ثلاثة أعوام، حَرَم المواطنين من مصادر الطاقة الأساسية، ودفعهم نحو البحث المضني عن البدائل المتاحة كألواح الطاقة الشمسية والبطاريات لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية داخل المنازل والخيام.
وينبه إلى أن قضية حظر مواد الطاقة البديلة لا تقتصر على منع سلعة بعينها، بل تمتد لتسلب المواطن مادة حيوية كان بإمكانها تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية والخدماتية، مشيراً إلى أن ارتفاع تكلفة الكيلوواط الواحد من الكهرباء التشغيلية ليعادل أضعاف سعره الطبيعي قبل الحرب، انعكس مباشرة على الارتفاع الحاد في أسعار المنتجات والخدمات الأساسية التي يتحمل تبعاتها المالية المستهلك المنهك في نهاية المطاف.
ويلفت أبو قمر إلى أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يكمن في ضرورة السماح الفوري بإدخال الوقود والمولدات ومستلزمات الطاقة البديلة باعتبارها احتياجات إنسانية أساسية، وإعادة تشغيل محطة توليد الكهرباء الرئيسية لضمان كسر حالة الاحتكار والحد من غلاء الأسعار وتخفيف العبء عن كاهل النازحين.
