في كل صباح، تنطلق ملحمة لا تنتهي في غزة، تبدأ عند البحث عن فتات الطعام ولا تنتهي عند الاحتماء من القصف، بل تمتد لتسلك مسارات أشد قسوة عبر طوابير طويلة ينتظر فيها آلاف النازحين للحصول على قطرات مياه قد تكون سبيلاً للبقاء، أو سببًا في المرض.
أزمة المياه في القطاع المحاصر تحوّلت من مجرد شح في الإمدادات إلى كارثة بيئية وإنسانية تعصف بالخزان الجوفي الساحلي، الذي يمثل شريان الحياة الوحيد والمصدر المائي الطبيعي الأساسي لأكثر من مليوني مواطن ومواطنة تجرعوا مرارة النزوح والتهجير.
ومع التعطل الشامل والاستهداف الذي طال محطات التحلية وتوقف خطوط الإمداد، وانقطاع التيار الكهربائي ونفاد وقود المولدات، يجد النازحون أنفسهم محاصرون بين العطش والشرب من آبار مسمومة تجمع بين الملوحة المرتفعة والتلوث الناتج عن الصرف الصحي.
وفي قلب المخيمات المكتظة، وأسفل الخيام المتهالكة المنتشرة على طول شاطئ البحر، تعيش الأمهات صراعًا مريرًا لحماية أطفالهن من المياه الملوثة التي تُغسل فيها الأواني والملابس وتؤكل بها الأطعمة، فيما يتحول الاستحمام البسيط إلى تجربة قاسية تترك آثارها الجسدية والنفسية على أجساد الصغار والكبار على حد سواء.
ويروي المواطن أحمد الشاعر (44 عامًا)، النازح من شمال القطاع والقاطن في إحدى الخيام قرب شاطئ مدينة دير البلح، تفاصيل هذه المعاناة القاسية قائلًا: "المياه التي نصل إليها بعد عناء وساعات طويلة من الانتظار إما أن تكون مالحة كالبحر وتترك طبقة بيضاء جافة على أجساد الأطفال تسبب لهم الحكة المستمرة والتهابات الجلد، أو نضطر إلى الوقوف في طوابير طويلة تحت شمس النهار للحصول على لترات معدودة لا تكفي لسد رمق العائلة من عربات التوزيع المحدودة".
ويضيف الشاعر، في حديثه لوكالة "صفا": "وصل بنا الحال إلى أن البحر الذي كنا نلجأ إليه للغسيل والاستحمام أصبح ملوثًا بالكامل ومجرى للنفايات ورائحته لا تطاق. نحن اليوم لا نخشى الجوع فقط، بل يعصرنا الخوف والقلق من الأمراض والأوبئة التي تسري حتمًا في المياه التي نشربها ونسقيها لأطفالنا".
وتشارك جاراته في المخيم أم إبراهيم الكرد (38 عامًا) هذا الموقف المؤلم بكثير من الحزن والحرقة، قائلة: "نتكبد المشقة يوميًا لمجرد تأمين لترات قليلة من مياه الطهي، فالماء المالح يفسد الطعام تمامًا ويجعله غير قابل للهضم، بينما المياه الحلوة تُباع بأسعار خيالية لا نطيق دفعها في ظل انعدام الدخل واستنزاف كل ما نملك".
وتتابع، في حديثها لوكالة "صفا": "أطفالي الصغار يعانون باستمرار من آلام حادة في البطن ونزلات معوية متكررة نتيجة استخدام مياه الآبار الملوثة في إعداد الطعام وغسل الأواني، ولا نملك خياراً آخر سوى استخدامها أو الموت عطشًا".
83% من الآبار ملوثة
من جانبه، يستعرض مدير وحدة مصادر المياه في سلطة المياه منذر سالم الأرقام والبيانات الصادمة التي تقف خلف هذه المعاناة، مؤكدًا أن التقرير الفني الشامل لجودة المياه الجوفية في الآبار البلدية لشهر يونيو 2026، والذي استند إلى نتائج الفحوصات المخبرية لـ 93 بئرًا بلدية موزعة على مختلف البلديات، كشف عن استمرار تعرض الخزان الجوفي لضغوط بيئية كبيرة ناجمة عن الاستنزاف المفرط، وتداخل مياه البحر، والتلوث الناتج عن مياه الصرف الصحي والأنشطة البشرية، ما أدى إلى تلوث 83% من الآبار البلدية (77 بئرًا من أصل 93) إما كيميائياً أو بيولوجياً، وعدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.
وفي تفاصيل التقييم الكيميائي، يوضح المهندس سالم أن متوسط تركيز الأملاح الذائبة الكلية (TDS) بلغ نحو 3,657 ملغم/لتر، وهو ما يتجاوز ثلاثة أضعاف الحد الإرشادي الموصى به لمياه الشرب وفق معايير منظمة الصحة العالمية والمواصفة الفلسطينية البالغ 1,000 ملغم/لتر، فيما تراوحت القيم المسجلة بين 381 ملغم/لتر كأقل قيمة و13,000 ملغم/لتر كأعلى قيمة في بئر العطاطرة، وهو ما يُعد مؤشرًا واضحًا على تداخل بحري حاد على مسافة 2.6 كم غرب دير البلح و2.4 كم غرب مدينة غزة.
ويضيف مدير وحدة مصادر المياه أن النتائج أظهرت تفاوتًا مكانيّاً واضحاً؛ إذ سجلت بلدية دير البلح أعلى متوسط لتركيز الأملاح الذائبة بنحو 4,756 ملغم/لتر، تلتها بلدية النصيرات بمتوسط 3,644 ملغم/لتر، ثم بلدية غزة بمتوسط 7,416 ملغم/لتر.
وفي المقابل، سجلت بلدية شمال غزة أقل متوسط بلغ نحو 933 ملغم/لتر، وهو المتوسط الوحيد المنسجم مع الحدود الموصى بها، فيما تراوحت القيم في بلديات خان يونس والمغازي والبريج والزوايدة بين 1,283 و2,874 ملغم/لتر.
وعلى صعيد الفحوصات الميكروبيولوجية، يبين المهندس سالم أن التلوث البكتيري أظهر وجود بكتيريا القولون البرازية (Fecal Coliform) في 18 بئرًا بنسبة 19% من إجمالي الآبار المفحوصة، بينما رُصدت بكتيريا الإشريكية القولونية الخطيرة (E. coli) في بئرين بنسبة 2%، وهما بئر الزرقا في جباليا وبئر السوارحة في الزوايدة.
ويعود هذا التلوث إلى الضغط الشديد والتدمير المنهجي لشبكات الصرف الصحي، وتسرب المياه غير المعالجة، وانكسار الأنابيب، إلى جانب انتشار نحو 200 ألف حفرة امتصاصية غير مبطنة في مخيمات النازحين.
وحول واقع التعقيم والمتابعة الميدانية، ينبه سالم إلى أن معدل تغطية الآبار بأجهزة ضخ الكلور يقف عند 65% فقط بواقع 61 بئرًا، بينما تعمل 35% من الآبار (32 بئرًا) دون نظام حقن كلور أو تحتاج إلى صيانة، مع وجود 15 بئرًا تضم أجهزة كلورة معطلة لا تعمل.
وفي حين تصدرت بلدية غزة القائمة بـ25 بئرًا مكلورة وحققت البريج والزوايدة تغطية كاملة، سجلت خان يونس ودير البلح أدنى نسب تغطية بواقع 31% و36% على التوالي.
ويؤكد مدير وحدة مصادر المياه في سلطة المياه بغزة ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة تشمل توفير مياه آمنة ومكلورة للمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، وإغلاق الحفر الامتصاصية وإصلاح الأنابيب المتضررة، وتزويد 20 بئرًا بأجهزة كلورة جديدة وإصلاح 15 جهازًا معطلًا.
ويشدد على ضرورة الإغلاق الفوري لبئر الزرقا بجباليا وبئر السوارحة بالزوايدة نظرًا لاكتشاف ملوثات خطيرة وبتركيزات عالية من بكتيريا E. coli والقولونية البرازية، لحين اتخاذ الإجراءات التي تمنع استمرار التلوث، مع تفعيل حملات التوعية المجتمعية والرصد الدوري لضمان السلامة العامة.
انعكاسات صحية خطيرة
هذا الواقع البيئي الصعب ينعكس مباشرة على صحة النازحين، إذ يقول الحكيم محمد إسماعيل، العامل في إحدى النقاط الطبية المجاورة لمخيمات النزوح: "إن البيانات الميدانية الصادرة عن المراكز الصحية والطبية تسجل ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الطفح الجلدي والجرب والتهابات الكبد الوبائي (أ)، إضافة إلى النزلات المعوية الحادة بين الأطفال في المخيمات، نتيجة الملامسة المباشرة للمياه الملوثة أو استخدامها في النظافة الشخصية".
ويرى إسماعيل، في حديثه لوكالة "صفا" أن بيئة المخيمات باتت تشكل أرضًا خصبة لتفشي هذه الأوبئة بشكل غير مسبوق، حيث تضطر مئات العائلات لاستخدام مياه الآبار الملوثة عالية الملوحة في الاستحمام وغسل الملابس وأواني الطهي، في ظل الانعدام التام لمواد التنظيف والمعقمات الأساسية.
ويضيف أن العيادات والنقاط الطبية الميدانية تقف عاجزة أمام هذا التدفق اليومي للمرضى، نظرًا للشح الشديد في الأدوية والمستحضرات العلاجية المخصصة للأمراض الجلدية والمطهرات المعوية، مما يحول هذه الإصابات إلى حالات مزمنة تنتقل سريعًا بين الأطفال داخل الخيام المكتظة.
ويدق الحكيم إسماعيل ناقوس الخطر، مؤكدًا أن الاستمرار في استهلاك هذه المياه غير الصالحة للشرب وتدفق مياه الصرف الصحي بين الخيام ينذر بكارثة صحية أعمق وأشد خطورة على المدى القريب، مشددًا على أن غياب الحلول الجذرية يمهد لظهور موجات جديدة من أوبئة معوية خطيرة تتجاوز القدرة الاستيعابية للقطاع الطبي المتهالك.
ويحذر مختصون من أن استمرار ضخ مياه الصرف الصحي دون معالجة واستنزاف الخزان الجوفي بعشوائية يضع قطاع غزة أمام واقع "الجفاف البيئي الملوث"، حيث أصبحت المياه المتوفرة تشكل خطرًا صحيًا مباشرًا بدلًا من كونها شريانًا للحياة، مما يتطلب تدخلًا عاجلًا لإعادة تشغيل محطات التحلية والمعالجة وتزويدها بالوقود والمعدات اللازمة قبل فوات الأوان.
