القدس المحتلة - خاص صفا
لا تقتصر سياسات الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة على السيطرة على الأرض وتهويد المدينة وتغيير هويتها العربية والإسلامية، بل تمتد إلى قطاع التعليم، في محاولة لإعادة تشكيل وعي الأجيال المقدسية وطمس الهوية والثقافة والتاريخ، والرواية الفلسطينية الحقيقية.
ومع انطلاق العام الدراسي الجديد، تشتد الهجمة الإسرائيلية على التعليم في المدينة، بدءًا من عدم تجديد تصاريح دخول عدد من المعلمين والعاملين القادمين من الضفة الغربية المحتلة، وصولًا إلى المضي قدمًا في فرض المنهاج الإسرائيلي على أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني في مدارس تابعة لبلدية الاحتلال.
وتواجه مدارس القدس أزمة تُهدد انتظام العملية التعليمية، بعدما أعلنت المدارس الخاصة والأهلية في القدس، تعليق الدوام المدرسي حتى إعادة إصدار وتجديد تصاريح الدخول إلى القدس للمعلمين والمعلمات والعاملين في المدارس من حملة هويات الضفة.
في المقابل، قالت صحيفة "هآرتس" العبرية، الاثنين، إن نحو 45 ألف طالب فلسطيني من سكان شرقي القدس سيدرسون المنهاج التعليمي الإسرائيلي هذا العام، في خطوة وصفتها بأنها الأولى من نوعها بهذا الحجم منذ احتلال القدس عام 1967.
وحسب الصحيفة فإن عدد الطلبة الفلسطينيين الذين سيدرسون وفق المنهاج الإسرائيلي خلال العام الدراسي 2026/2027 سيصل إلى 39,363 طالبًا في 105 مدارس بلدية، إضافة إلى 5,085 طالبًا في مؤسسات "معترف بها وغير رسمية"، ما يرفع إجمالي عدد الطلبة المشمولين بهذا التوجه إلى أكثر من 45 ألف طالب، أي نحو 38% من أصل قرابة 120 ألفًا في "القدس الشرقية".
ويشكل توسيع نطاق المنهاج الإسرائيلي إلى عشرات الآلاف من الطلبة تحولًا جديدًا في معركة التعليم والهوية، وسط تحذيرات مقدسية من أن التعليم بات أداة لاستهداف الرواية الفلسطينية وطمس الهوية الوطنية والثقافية للطلبة المقدسيين.
معركة على الهوية
الناطق الإعلامي باسم اتحاد لجان أولياء الأمور بالقدس رمضان طه يصف الإجراءات الإسرائيلية بحق التعليم الفلسطيني في القدس بأنها خطيرة جدًا، وأنها تأتي في إطار مساعٍ لطمس الهوية الوطنية، وسلب الفلسطينيين حقهم في اختيار المناهج التي تتناسب مع هويتهم الوطنية والدينية والتاريخية.
ويقول طه في حديث خاص لوكالة "صفا"، إن فرض المنهاج الإسرائيلي بصورة قسرية يمثل سلبًا لحق أساسي من حقوقنا، إلى جانب مساهمته في محاولة التأثير على وعي الطلبة وانتمائهم وهويتهم وحضارتهم، وخلق واقع جديد في مدينة القدس يخدم مخططات الاحتلال الرامية إلى السيطرة على التعليم ومن ثم تهويد المدينة.
ويضيف أن هذه السياسات تسعى كذلك إلى تغييب الرواية الفلسطينية وما عاشه الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من مئة عام، بما في ذلك قضية اللاجئين وحق العودة وما رافقها من تشريد وضياع في مختلف أنحاء العالم.
ويؤكد طه أن السيطرة على التعليم تمثل جزءًا من مخطط إسرائيلي أوسع لإعادة تشكيل هوية القدس.
وفيما يتعلق بمنع تجديد تصاريح المعلمين من حملة هوية الضفة الغربية العاملين في المدارس الخاصة والكنسية في القدس، يشير إلى أن هذه السياسة ليست جديدة، خاصة أن الاحتلال سحب العام الماضي تصاريح أكثر من 70 معلمًا في المدارس الكنسية، ونحو 60 معلمًا في المدارس الخاصة.
ويؤكد أن القرار تكرر هذا العام، بحجج وصفها بالواهية وغير المنطقية، رغم أن هؤلاء المعلمين يمتلكون الخبرة والكفاءة، وبعضهم يعمل في مدارس القدس منذ أكثر من 30 عامًا.
ومن وجهة نظره، فإن منع تجديد التصاريح يتماشى مع سياسة السيطرة على التعليم الفلسطيني في المدينة، ويهدف إلى تفريغ المدارس من معلميها، تمهيدًا لفرض المنهاج الإسرائيلي عليها، لا سيما أن هذه المدارس ما تزال من أكثر المؤسسات التعليمية مقاومة لمحاولات فرض المنهاج الإسرائيلي.
ووفقًا لطه، فإن تدخل جهات عدة أفضى إلى الحصول على وعود إسرائيلية بالسماح للمعلمين بالاستمرار في عملهم، تفاديًا لتعطيل العام الدراسي.
ويأمل طه أن تنتهي هذه الأزمة، وأن يبدأ العام الدراسي بصورة طبيعية دون أي إجراءات تصعيدية أو تشويش، وبما يضمن للمعلمين أيضًا الحفاظ على مصادر رزقهم.
ويحذر من أن هذه الإجراءات لا تقتصر تداعياتها على المعلمين، بل تمتد إلى الطلبة وأولياء الأمور وإدارات المدارس، موضحًا أن الأهالي يعيشون حالة من القلق بشأن مستقبل أبنائهم وجودة التعليم الذي يتلقونه.
والثلاثاء، أعلنت المدارس الخاصة والأهلية في القدس تعليق الدوام المدرسي حتى إعادة إصدار وتجديد تصاريح الدخول إلى المدينة المقدسة للمعلمين والمعلمات والعاملين في المدارس من حملة هويات الضفة.
وأوضحت أن غياب هذا العدد الكبير من الكوادر يؤثر على مختلف جوانب العمل المدرسي، التعليمية والإدارية والصحية، إضافة إلى خدمات النظافة وإجراءات الأمن والسلامة، ما يجعل من المتعذر ضمان انطلاقة آمنة ومستقرة للعام الدراسي وللطلبة.
مخطط كبير
وتواجه إدارات المدارس صعوبة متزايدة في تأمين الكوادر التعليمية، خصوصًا في ظل عدم اعتراف سلطات الاحتلال ببعض التخصصات والشهادات الصادرة عن الجامعات الفلسطينية، الأمر الذي يعيق توظيف خريجي هذه الجامعات في المؤسسات التعليمية بالقدس. وفق طه
ويعتبر أن ذلك يشكل جزءًا من مخطط كبير للسيطرة على التعليم في القدس، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة التحرك لوقف ما وصفه بـ"النزيف" الذي يطال قطاع التعليم الفلسطيني في المدينة.
وبحسب طه، فإن استمرار إجراءات الاحتلال بحق التعليم قد يؤثر على العملية التعليمية، ويزعزع ثقة الأهالي بهذه المدارس، ليس فقط خلال العام الدراسي الحالي، وإنما في الأعوام المقبلة، وقد يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل تعليمية أخرى، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف المدارس الفلسطينية في القدس.
سياسات لضرب التعليم
ويؤكد طه أن المدارس المقدسية تعاني منذ سنوات من محاولات للسيطرة على التعليم وفرض المناهج الإسرائيلية، في محاولة لاستهداف المؤسسات التعليمية الفلسطينية في المدينة.
ويضيف أن الاحتلال كان أغلق خمس مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فيما شهد العام الحالي أيضًا إغلاق مدرستين من المدارس الخاصة، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعكس استمرار سياسة التضييق على التعليم الفلسطيني ومحاولة إخضاعه للسياسات الإسرائيلية.
ويؤكد أن الأمر يسير بخطى حثيثة من أجل القبول بالمناهج الإسرائيلية لتكون هي المنهاج الوحيد الذي يُدرّس، كما يحصل الآن في مدارس بلدية الاحتلال، حيث تُطبَّق المناهج على جميع الصفوف والمراحل الدراسية بشكل إجباري.
وحسب محافظة القدس، فإن هذه الأرقام تكشف عن تصاعد متسارع وخطير في فرض المنهاج الإسرائيلي، إذ ارتفع عدد الطلبة الذين يدرسون وفقه من 10,347 طالبًا في العام الدراسي 2020/2021 إلى 19,402 طالبًا في 2024/2025، ثم إلى 27,041 طالبًا في 2025/2026، بعد أن كان العدد أقل من 13 ألف طالب قبل ستة أعوام، ولم يتجاوز بضع مئات قبل نحو 15 عامًا.
وأكدت أن هذا التصعيد يمثل مرحلة جديدة من مسار طويل من الضغوط الإسرائيلية على المؤسسات التعليمية الفلسطينية، شمل الضغط على إدارات المدارس، وربط بعض الميزانيات بشروط تتعلق بالمناهج، وصولًا إلى الاستيلاء على مجمعين تعليميين تابعين لوكالة "أونروا" في مخيمي شعفاط وكفر عقب.
ووفق المعطيات، تعتزم سلطات الاحتلال افتتاح 14 صفًا ثانويًا ومدرسة ابتدائية وخمس رياض أطفال في مجمع شعفاط، إلى جانب افتتاح مدرسة ثانوية للبنين في مجمع كفر عقب.
ر ش
