في زاوية منسية وسط خيام النازحين شمالي مدينة غزة، تجلس الشقيقتان علياء ونورا تعيشان مرارة الفقد وحيرة غياب غير مفهوم للأم.
بدأت الحكاية خلال رحلة التهجير القسري حين أُجبرت العائلة على مغادرة مدرسة الفالوجا في شمال القطاع، متجهة نحو الجنوب بحثًا عن أمان مفقود.
وفي لحظة فارقة عند مغادرة المدرسة، طلب الأب من زوجته وبناته الثلاث التقدم نحو نهاية الشارع، مفضلًا تحميل بقية أمتعتهم على دراجته الهوائية واللحاق بهن سريعًا.
كان ذلك وسط إبادة غزة قبل عام ونصف، حينما اشتد القصف في المنطقة، وازداد تأخر الأب، مما دفع الأم لإبقاء بناتها في مكان قريب والعودة لتفقده عند محيط المدرسة.
وفي تلك اللحظات العصيبة اقتحم جيش الاحتلال المنطقة، وعاش الجميع ساعات من الرعب والغموض.
وبعد انسحاب القوات، عادت الفتيات لتبحثا عن والديهما، فكانت الفاجعة برؤية والدهن شهيدًا مصابًا بالرصاص في رأسه وقلبه، بينما اختفت الأم تمامًا في ظروف غامضة.
سؤال دون مجيب
"لا نعرف أين هي اليوم"، تقول علياء غبن، ابنة الـ16 عاما، متسائلة عن موعد العثور على أثر لأمها، أو معرفة مصيرها إن كانت معتقلة، أو شهيدة تحت الركام.
تضيف علياء لوكالة "صفا"، بصوت مخنوق وهي تسترجع تلك اللحظات وتنظر إلى أختها نورا: "خرجنا من المدرسة على أمل أن نلتقي جميعًا عند نهاية الشارع، لكن الشارع أصبح أطول مما نتخيل، وفقدنا فيه كل شيء في لحظة واحدة".
"كنا نسمع أصوات القصف تزداد، وننتظر أن يظهر أبي بدراجته الهوائية كما وعدنا، لكنه لم يأتِة، تكمل بإحباط شديد.
وعندما عادت أم علياء لتستطلع أمره، اختفت هي الأخرى، ولم نعد نرَ لها أثرًا، تقول نور مقاطعة علياء.
اليوم تعيش الفتاتان في هذه خيمة ضيقة، تسترجعان "صوت أبينا وهو يعدنا باللحاق بنا، وننتظر أي خبر أو همسة تطمئننا عن أمي".
ووسط غموض وتعقد ملف آلاف المفقودين بقطاع غزة، تنتظر الفتاتان، كما الآلاف، اتصال أو عثور مفاجىء لدليل، يوصلهما لجنة الحياة التي فُقدت.
ووسط هذا الواقع القاسي على قلب طفلتين، تحاولان أن تسندان بعضهما، فإن "القلق على مصير أمنا يأكل أرواحنا في كل ثانية"، تقول علياء.
وتجسد قصة علياء ونورا جزءًا من ملف إنساني مثقل بالوجع في قطاع غزة، حيث تشير بيانات لجنة المفقودين لـ"صف، إلى وجود نحو 5500 مفقود لا يزال مصيرهم مجهولًا.
وتتوزع هذه الأرقام بين أجساد حوصرت تحت أطنان الركام وتعذر انتشالها لغياب المعدات والإمكانيات الطبية، وبين حالات اختفاء قسري واعتقالات عند الحواجز والممرات الأمنية وفي محيط مناطق الاقتحام المباشر طوال حرب الإبادة بغزة.
وتترك هذه الأرقام الضخمة آلاف العائلات معلقة بين خيط واهٍ من الأمل وواقع محمل بمرارة الانتظار، حيث تتحول كل ليلة تمشي دون إجابات قاطعة إلى نزيف نفسي مستمر للأسر التي تجد نفسها عاجزة حتى عن فتح بيت لعزاء غائبيها أو معرفة أماكن احتجازهم.
وبعد أشهر من الفقد والشتات، تزوجت أخته علياء ونور، الثالثة، وغادرت إلى مكان آخر، لتبقى الاثنتان، اليوم، وحيدتان بلا سند أو معيل، تواجهان قسوة الحياة اليومية وتحديات توفير أدنى مقومات العيش.
