web site counter

بعد تهديدات إسرائيلية

طائرات الأطفال الورقية تتحوّل إلى مصدر خوف في غزة

طائرات الأطفال الورقية تتحوّل إلى مصدر خوف في غزة
غزة - خاص صفا

في غزة، لم يعد الطفل يرفع طائرته الورقية بحثًا عن الرياح فقط، بل يرفعها بحذر، ليتأكد أولًا من خلو الأجواء من الطائرات الإسرائيلية، ليتمكن من اللعب لبضع دقائق.

بين الركام والخيام، يجمع الأطفال عيدانًا متناثرة وقطعًا من النايلون والورق وخيوطًا قديمة، يصنعون منها طائرات ورقية صغيرة، ثم يطلقونها في الهواء كأنهم يستعيدون شيئًا من طفولتهم التي سلبتها الحرب.

لكن حتى هذه اللحظات القليلة من الفرح لم تعد بمنأى عن الخوف، فبعد تهديدات إسرائيلية بتكثيف الضربات وإخلاء المناطق التي تُطلق منها الألعاب الورقية، بات أطفال غزة وأهاليهم يخشون أن تتحول قطعة من الورق والخيط إلى سبب جديد للخطر.

ويكشف هذا المشهد العبثي عن مستوى غير مسبوق من التطرف الإسرائيلي في التعامل مع مظاهر الحياة اليومية في القطاع، إذ تتحول لعبة أطفال إلى ذريعة للتهديد بمزيد من القصف والتهجير، في صورة تختزل حجم الانحراف الذي أصاب السلوك السياسي والعسكري للاحتلال.

الفرح مصدرًا للخوف

يقول المواطن معتز نوفل (37 عاماً) لوكالة "صفا"، إن الخوف بات يلاحق العائلات حتى في أبسط تفاصيل حياة أطفالها.

ويضيف "بكل بساطة، أصبحنا نخشى على حياة أطفالنا من لعبة بسيطة. الاحتلال يترصد لأي حركة في السماء، ويستخدم مجرد رؤية طائرة ورقية كذريعة ليطلق النار أو يوجه ضربات صاروخية نحو أحياء سكنية مأهولة".

ويوضح أن الأهالي لا يريدون حرمان أطفالهم من الفرح، لكنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاختيار بين منحهم لحظات من اللعب أو حمايتهم من خطر قد يترتب على مجرد ظهور طائرة ورقية في الأجواء.

وبالنسبة إلى الأمهات، أصبحت لحظة خروج الأطفال بالطائرات الورقية مرتبطة بالخوف، وتبيّن أم إبراهيم الهربيد (41 عاماً)، أن منع طفلها من صناعة طائرة ورقية هو واحد من أكثر القرارات ألمًا التي تضطر إلى اتخاذها كأم.

وتقول لـ"صفا": "يأتيني طفلي وبيده عيدان من الخشب وقطعة بلاستيك يريد أن يصنع طائرة ورقية ويطيّرها كباقي أطفال العالم، فأضطر للرفض".

وتختصر "أم إبراهيم" حجم الخوف الذي يعيشه أطفال غزة، قائلة إن: "الأجواء ليست آمنة، والاحتلال يتعمد ربط هذه الألعاب بالتصعيد، وهو ما يجعلنا نخشى السماح لأطفالنا باللعب بها".

وتتابع "نحن نعلم تمامًا أن الطائرة الورقية ليست إلا لعبة أطفال مصنوعة من الورق والنايلون، لكن عندما يصبح الخيط الذي يمسكه طفلي سبيلًا لارتكاب إسرائيل جرائم بحقنا وقصف منازلنا، يسقط الفرح وتسود الغريزة الطبيعية للأم وهي حماية أطفالها".

"اللعب المخيف"

وبالنسبة إلى عمر صالح (10 أعوام) كانت الطائرات الورقية وسيلة للهروب، ولو لساعات قليلة، من واقع النزوح وحرارة الخيام.

ويعبّر لـ"صفا" قائلًا: "أنا أحب أن أعمل طائرات ورقية ملونة مع أصدقائي في الصيف ونذهب إلى البحر لنطيّرها لنهرب من حر الخيام".

لكن والده أخذ منه الخشب والورق ومنعه من الخروج من مخيم النزوح، خوفًا من أن ترى طائرات الاحتلال لعبته الورقية، ويجري التعامل معها باعتبارها "خطرًا".

ويضيف عمر "أنا أحزن كثيرًا لأنني أريد اللعب فقط. الطائرة الورقية ليست سلاحًا ولا تؤذي أحدًا، لماذا يجعلون اللعب مخيفًا لنا".

تُصنع من بين الركام

ويروي أحمد الكفارنة (13 عامًا) كيف أصبح صنع الطائرة الورقية رحلة بحث طويلة بين الخيام والركام.

يخرج أحمد مع خمسة من أصدقائه، للبحث عن أكياس النايلون الكبيرة والملونة، ويقول إن أفضل ما يجدونه هو "أكياس المساعدات الزرقاء أو البيضاء لأنها قوية ولا تتمزق بسرعة بالهواء".

كما يُفتّش أحمد مع رفاقه بين الركام عن سعف نخيل يابس أو قطع خشب خفيفة، ثم يقشرونها بالسكين حتى تصبح رفيعة ومتساوية.

أما الخيط، وهو الأصعب، فيصنعونه من حبال قماش قديمة، بينما يستبدلون الغراء أحيانًا بعجين من الطحين والماء.

"بعد صنع الطائرة الورقية، ولحظة أن ترفعها الرياح نبدأ نفلت الخيط، وننسى كل التعب الذي بذلناه لصنعها، ونشعر أننا طرنا معها فوق كل الخراب الذي نعيش فيه"، يعبر أحمد.

ويتساءل أحمد "الطائرة الورقية هي الشيء الوحيد الذي نستطيع صنعه بأيدينا وإسعاد أنفسنا، ماذا تريد منا إسرائيل لتمنعنا حتى من اللعب؟".

خوف يتجاوز العائلات

ولا يقتصر القلق من الطائرات الورقية على الأهالي، إذ باتت مخيمات النزوح نفسها تحاول الحد من لعب الأطفال بها خشية تعرضهم للاستهداف.

ويقول وديع أبو ستة (40 عاماً) إن الخوف تجاوز الطائرة نفسها، فالاحتلال يعتبر أي طائرة ورقية تهديدًا أمنيًا أو محاولة استطلاع.

ويضيف لـ"صفا" أن مجموعات من الشبان أو الأطفال قد تتعرض للاستهداف أثناء جمع الخشب من المناطق المتاخمة لـ"الخط الأصفر" أو حتى قرب مراكز الإيواء.

وبرأيه، فإن "الطفل عندما يرى طيارته في السماء يشعر أنه هزم الخوف، وهذا الذي يزعج الاحتلال".

ويقول أطفال في غزة، إن الاحتلال الذي حرمهم من مدارسهم وبيوتهم وألعابهم، لم يُبقِ لهم حتى أجواءً كانوا يحاولون من خلالها أن يستعيدوا شيئًا من طفولتهم، لتبقى المفارقة الأشد قسوة أن أطفالًا لا يملكون سوى خيط وورقة، يواجهون قوةً عسكرية لا ترى في ألعابهم إلا هدفًا جديدًا للنار.

أ ع/أ ج

/ تعليق عبر الفيس بوك