لم تكن البدلة سوداء، ولا الأضواء مطفأة في مخيلة الشاب إسماعيل أبو فول، وهو يعدّ أيامه انتظارًا لشهرٍ تفصله فيه الخطوات الأخيرة عن ليلة زفافه.
في الثامن والعشرين من أبريل المنصرم، وضع إسماعيل خاتم الخطوبة في يد شريكته، محاولًا انتزاع حقه الطبيعي في الحياة والأمل من بين ركام غزة، وراسمًا بأحلامه البسيطة بيتاً دافئاً يُضيء وسط العتمة.
لكن يد الاستهداف الإسرائيلي كانت أسرع من خطاه، فاغتالته قبالة مدخل مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
وبذلك يتوقف الزمن فجأة، ويتغير الثوب الموعود من بدلة زفاف أنيقة إلى كفن أبيض، يُنهي 25 ربيعًا، على الأكتاف.
صدمة الفقد
والد إسماعيل المكلوم، وهو نازح من جباليا شمال قطاع غزة، ارتمى على كفنه، بملامح يكسوها الذهول والألم الحاد، متمسكًا بذكريات نجله الذي كان يستعد لدخول عش الزوجية خلال أيام.
يقول مجسدًا بوجعه حكاية والدٍ رأى أحلام ابنه تتحول إلى رماد في لحظة: "والله ما فرح والله".
ومبلغًا أقاربه قال "استشهد إسماعيل وما فرح، استشهد ضربوه على الشارع وأنا معه في المستشفى".
شقيقه انهار من هول الصدمة، وفقد توازنه وهو يردد "حبيبي يا أخي".
وكتب أحد أصدقائه مودعًا "بالأمس كنا نوزع التبريكات بخطوبتك، واليوم نودعك عريسًا إلى السماء".
محمد أبو الفول قال، "كان يستعد لعرسه في الشهر القادم، لكن الاحتلال يصر على قتله، واليوم يزف شهيدًا".
دعوات الأقارب للربط على قلوب ذوي إسماعيل، توالت،وسط مواساة، وتساؤلات عن ذنب الشباب الذين تُسرق أفراحهم قبل أن تبدأ.
وينضم إسماعيل اليوم إلى قائمة ثقيلة وموجعة، من عرسان غزة، لتتكرر ظاهرة القتل المؤلمة، التي تلاحق شباب القطاع في أوج إقبالهم على الحياة.
ومع تكرار اغتيال الأزواج الشابة، فإن ما يجري ليس مجرد قصة فقدان فردية، بل حكاية شعب يُطارد العدوان أحلام أبنائه في بؤرة الفرح، ليتحول حلم الاستقرار وبناء الأسرة، إلى قصيدة رثاء جديدة، تخلدها الذاكرة الفلسطينية.
