في جنين التي ألفت صفير الرصاص ورائحة البارود، لم يكن خبر ارتقاء القائد فتحي زيدان خازم "أبو الرعد" مجرد رقم إضافي في سجل الشهداء، بل كان الفصل الأخير من حكاية أيقونة نضالية استثنائية تحولت من والدٍ لشهيدين إلى رمزٍ حي للكرامة والصلابة والمقاومة حتى الرمق الأخير.
لم يقبل "أبو الرعد" (64 عامًا)، الضابط المُحال إلى التقاعد في السلطة الفلسطينية، أن تنتهي مسيرته الحافلة متفرجًا أو أسيرًا يُساق إلى معتقلات الاحتلال.
وفي تفاصيل اللحظات الأخيرة لجريمة الاغتيال التي نفذتها قوات خاصة إسرائيلية في مدينة جنين، أظهر الشهيد ثباتًا نادرًا، إذ رفض خيار الاستسلام والتنكيل، واندفع لمواجهة عناصر القوة المهاجمة بما تيسر له، ليرحل مقاومًا بحجم إرادته حتى استشهاده ملتحقاً بنجليه الشهيدين.
وفي تفاصيل قاسية تكشف حجم الكبرياء والصلابة التي رافقته حتى رمقه الأخير، حاول جنود الاحتلال إخضاع "أبو الرعد" وإذلاله أمام أفراد عائلته وزوجته وطفله صاحب الـ15 عامًا.
غير أن الشهيد خازم أبى الخضوع، ووجّه كلماته الحاسمة لأحد الجنود المهاجمين قائلًا بكل ثبات: "من أنت لتطلب مني الانحناء؟".
وسرعان ما تحوّل الموقف إلى اشتباك جسدي وعراك مباشر باليدين لعدة لحظات رفضًا للتنكيل، قبل أن يمطره الجنود بسبع رصاصات قاتلة أصابته بشكل مباشر وأدت لارتقائه شهيدًا على الفور، لينتهي المشهد باختطاف جثمانه ونقله عبر مركبة عسكرية إلى جهة مجهولة.
جرح الأب وسيرة الوفاء
وتأسست رمزية "أبو الرعد" في الوجدان الفلسطيني والعربي من رحم التضحيات التي قدمتها عائلته في قلب مخيم جنين، حيث قدم الشهيد أبو الرعد نجليه شهيدين.
الشهيد رعد خازم الذي ارتقى في أبريل 2022 حيث نفذ عملية "شارع ديزنغوف" الشهيرة في قلب تل أبيب، والتي أسفرت عن مقتل 3 إسرائيليين وإصابة آخرين، واستمرت مطاردته لعدة ساعات قبل أن يستشهد في اشتباك مسلح قرب مسجد في يافا.
والشهيد عبد الرحمن خازم الذي ارتقى في سبتمبر 2022 حيث لم تمضِ سوى أشهر قليلة على استشهاد شقيقه الأكبر حتى حاصرت قوات الاحتلال المنزل الذي تواجد فيه عبد الرحمن داخل مخيم جنين، ليخوض اشتباكًا مسلحًا حتى الاستشهاد برفقة عدد من رفاقه.
وتحول "أبو الرعد" عقب استشهاد نجليه إلى "خطيب الثورة" ورمزًا للصمود، فكانت كلماته المفعمة بالثبات على منصات التشييع تجوب أرجاء فلسطين، داعياً إلى الوحدة والتلاحم والتمسك بخيار المقاومة دون خوف أو تردد.
"أنا مين؟"
وفي تفاصيل لافتة كشفتها مشاهد من داخل بيته عقب استشهاده، عُثر على عبارة خطّها بيده على باب داخل منزله تساءل فيها: "أنا مين؟".

ولم تكن هذه الجملة مجرد تساؤل عابر وفق تعليقات الناشطين عليها، بل كانت بمثابة بوصلة وجودية ودستور عمل يومي يذكّره بذاته وبواجباته الوطنية والمسلكية، سؤال يلخص رفضه للعيش على هامش التاريخ أو القبول بدور الشاهد الصامت على مأساة شعبه.
وقال هؤلاء في أعقاب انتشار الصورة الذي خطها الشهيد "أبو الرعد" إنه كان يستحضر السؤال ليعيد تعريف موقعه هل هو مجرد ضابط متقاعد وأب مكلوم؟، أم قائد يحمل أمانة دماء أبنائه ووطنه؟ ليتناول الإجابة عملاً ونضالاً، محولاً السؤال إلى دافع ليغدو عنصراً فاعلاً ومؤثراً في مجرى الأحداث.
وتجلت رمزية الراحل الكبير في سيل منشورات النعي التي عمت منصات التواصل الاجتماعي، والتي أكدت أن أبا الرعد يرحل تاركاً إرثاً تربوياً ونضالياً عميقاً.
ويقول الناشطون في نعيه إنه أثبت عبر محطات حياته بدءًا من غرس حب الأرض في نفوس أبنائه، مرورًا بكلماته التي كانت وقوداً للمرابطين، وصولاً إلى اشتباكه المباشر مع الاحتلال لحظة الاغتيال أن إرادة الشعوب الحرة عصية على الكسر، وأن الأسئلة الكبرى في حياة العظام تُكتب أحياناً بمداد الكلمات على الأبواب، وتُوقع بالدم في ساحات المعارك.
