web site counter

"من العميل إلى الشبكة".. دراسة ترصد أدوات الاحتلال لاختراق مجتمع غزة

غزة - صفا

أصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة بحثية جديدة بعنوان "تفكيك شبكات عملاء الاحتلال في قطاع غزة: من العميل الفرد إلى الشبكات المسلحة، في ضوء التجربة التاريخية والمقارنة (2023–2026)".

وبحسب المركز، تقدم الورقة البحثية قراءة أمنية وقانونية واجتماعية مقارنة لظاهرة عملاء الاحتلال، وتبحث في تحولات أدوات التجنيد والمواجهة خلال الحرب، وصولًا إلى السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة.

وتنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها أن ظاهرة عملاء الاحتلال لم تعد محصورة في نموذج "العميل الفرد" الذي ينقل المعلومات، وإنما شهدت خلال حرب 2023–2026 تحولًا أكثر تعقيدًا، تمثل في ظهور مجموعات وشبكات مسلحة محلية مرتبطة بدرجات متفاوتة بالتنسيق مع الاحتلال، إلى جانب استمرار أنماط التجنيد الفردي الأكثر خفاءً.

وتشير الورقة إلى أن التعاون يمكن فهمه ضمن ثلاثة مستويات رئيسية: إخباري يتعلق بنقل المعلومات، ولوجستي يشمل تقديم تسهيلات ميدانية، ومسلح يتمثل في الانخراط ضمن مجموعات تعمل بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع قوات الاحتلال.

من "العميل" إلى "الشبكة"

وترى الورقة أن التحول الأبرز خلال الحرب تمثل في الانتقال من التركيز على الأفراد إلى ظهور تشكيلات محلية مسلحة، وتستعرض في هذا السياق حالة مجموعة ياسر أبو شباب في شرق رفح، باعتبارها المثال الأبرز على انتقال التعاون من نموذج فردي إلى نموذج شبكي مسلح.

وتلفت الورقة إلى أن المجموعة ارتبطت، وفق تقارير ومصادر مفتوحة، بتأمين قوافل مساعدات إنسانية، قبل أن يقر أبو شباب نفسه بوجود تنسيق مع الجيش الإسرائيلي في ملف توزيع المساعدات.

كما تشير إلى اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، في يونيو/حزيران 2025، بدعم مجموعات "فلسطينية مسلحة معارضة لحماس" كما وصفها، وذلك في إطار حسابات أمنية إسرائيلية.

وتخلص الورقة من هذه الحالة إلى أن الاحتلال قد لا يحتاج دائمًا إلى تشكيل قوة محلية كبيرة؛ إذ يمكن أن تتحول الشبكات المحلية إلى أدوات للوصول إلى مناطق يصعب على القوات الإسرائيلية العمل فيها بصورة مباشرة، أو للمساعدة في تنفيذ مهام أمنية واستخبارية وزعزعة البيئة الداخلية.

المساعدات والحاجة الإنسانية.. ساحة جديدة للتجنيد

ومن أبرز زوايا الورقة ربطها بين ظاهرة التجنيد والبيئة الإنسانية التي نشأت في غزة خلال الحرب.

فالدراسة تشير إلى أن الغذاء والدواء والمال والعمل والحركة يمكن أن تتحول، في ظروف الانهيار الاقتصادي والإنساني، من احتياجات أساسية إلى أدوات ضغط واستقطاب، مشيرة إلى تقارير عن استغلال عروض المساعدة والوظائف للوصول إلى المواطنين.

وتصنف الورقة أساليب التجنيد التي تظهر في المصادر المفتوحة ضمن خمس فئات رئيسية: الابتزاز والضغط، الحاجة الإنسانية، المنصات الرقمية، الاستغلال الإجرامي، والتجنيد داخل مجموعات مسلحة.

وتعتبر الورقة أن خطورة هذا التحول لا تكمن فقط في دفع أفراد إلى العمالة، وإنما في إمكانية تحويل الاحتياجات اليومية للسكان إلى مدخل لبناء شبكات أكثر اتساعًا وأقل قابلية للرصد.

ماذا تقول تجربة "جيش لبنان الجنوبي"؟

ولإضاءة مستقبل الشبكات المحلية المدعومة من الاحتلال، تستعين الورقة بتجربة جيش لبنان الجنوبي الذي دعمه الاحتلال الإسرائيلي لعقود قبل انهياره بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

وتخلص المقارنة إلى أن قوة هذه الشبكات لا ترتبط بالضرورة بقدرتها الذاتية، وإنما باستمرار الدعم والمصلحة الإسرائيلية التي أنشأتها أو تحميها.

وتشير الورقة إلى أن انهيار جيش لبنان الجنوبي جاء سريعًا بعد الانسحاب الإسرائيلي، كما أن المعالجة القضائية اللبنانية فرّقت بين من انضموا تحت الإكراه ومن ارتكبوا جرائم جسيمة بصورة مباشرة. وترى الدراسة أن هذا التمييز يقدم درسًا مهمًا للحالة الفلسطينية، خصوصًا في مرحلة ما بعد الحرب.

ما بعد وقف إطلاق النار.. من "المليشيا" إلى "الخلية"؟

وتطرح الورقة تحولًا مهمًا في طبيعة الظاهرة خلال الفترة التي تلت وقف إطلاق النار؛ إذ ترى أن انتهاء الحرب المفتوحة لا يعني بالضرورة انتهاء وظيفة شبكات العملاء، وإنما قد يدفعها إلى التحول من تشكيلات مسلحة ظاهرة إلى خلايا وأفراد يؤدون مهام أكثر تحديدًا وأقل ظهورًا.

وتذهب الورقة إلى أن هذا التحول قد يجعل المواجهة الأمنية أكثر تعقيدًا؛ فالشبكة الصغيرة أو الخلية الفردية لا تحتاج إلى بنية عسكرية كبيرة، ولا تكون بالضرورة عرضة للاستهداف بالطريقة نفسها التي تتعرض لها المجموعات المسلحة العلنية.

الورقة تحذر من "العمالة بالاتهام"

وفي زاوية لافتة، لا تدعو الدراسة إلى توسيع دائرة الاتهام، بل تحذر من خطورة العقوبة قبل المحاكمة والانتقام الجماعي.

وتشدد على ضرورة الفصل بين "المشتبه به" و"المتهم" و"المدان"، وإنشاء قاعدة بيانات أمنية وقضائية موحدة، واعتماد إجراءات تحقق متعددة المصادر قبل اتخاذ أي إجراء، مع التمييز بين من تعرض للإكراه أو الابتزاز وبين من شارك عمدًا في جرائم قتل أو تجسس أو استهداف.

وتربط الورقة هذه التوصيات بالتجربة الفلسطينية نفسها، مشيرة إلى أن سياسات احتواء عائلات المتهمين وعدم تحويل الاتهام إلى عقوبة جماعية طُبقت في مراحل سابقة، ما يعكس إدراكًا مبكرًا لمخاطر تحويل ظاهرة أمنية إلى أزمة اجتماعية ممتدة.

ثلاثة مسارات محتملة

وتطرح الدراسة عدة سيناريوهات للمستقبل، أبرزها انحسار الشكل العلني للمليشيات المسلحة المرتبطة بالاحتلال، واستمرار نمط التعاون الفردي منخفض الظهور، مع احتمال انتقال الاحتلال بصورة أكبر من دعم المجموعات المسلحة إلى تشغيل خلايا وأفراد لمهام محددة.

كما تحذر من احتمال نشوء أزمة اجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب إذا لم تتم معالجة ملفات العملاء بصورة قانونية متدرجة، بما يمنع تكرار نموذج "أبناء لحد" الذين ظل كثير منهم عالقين اجتماعيًا وسياسيًا بعد انهيار جيش لبنان الجنوبي.

مواجهة الاختراق دون تفكيك المجتمع

وتصل الورقة إلى خلاصة مركزية مفادها أن ظاهرة العملاء مع الاحتلال ليست جديدة في جوهرها، لكن أدواتها تتجدد بتجدد ظروف الاحتلال والحرب؛ من العميل الفرد، إلى الشبكة المسلحة، ثم إلى الخلية الأكثر خفاءً.

وتؤكد أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، كما لا يمكن أن تعتمد على الوصم الاجتماعي والديني وحده، بل تحتاج إلى مزيج من العمل الاستخباري والتحقق القانوني والوعي المجتمعي وحماية المساعدات الإنسانية ومنع استغلال الحاجة الاقتصادية.

وتشدد في الوقت نفسه على أن قوة الرفض الوطني والاجتماعي والديني للتعاون مع الاحتلال ينبغي أن تتحول إلى أداة للوعي والإبلاغ المسؤول، لا إلى بديل عن القضاء أو مبرر للعقوبة الجماعية.

وتأتي هذه الورقة ضمن سلسلة الدراسات والأوراق البحثية التي يصدرها المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، في إطار توجه المركز إلى تناول الملفات الفلسطينية الأكثر حساسية وتأثيرًا، وتقديم قراءات تجمع بين التحليل السياسي والأمني والقانوني والاجتماعي.

/ تعليق عبر الفيس بوك