web site counter

من الفصول إلى الخيام.. مأساة التعليم بغزة تتفاقم والحلول المؤقتة قاصرة

غزة - خـاص صفا

في مشاهد تختصر حجم الخسارة التعليمية غير المسبوقة، لم تعد المدارس في قطاع غزة تلك المباني الخرسانية المجهزة بالمختبرات والمقاعد الدراسية، بل تحولت في أغلبها إلى مساحات مكشوفة تتراص فيها خيام القماش والنايلون.

معطيات رسمية جديدة صادرة عن وزارة التربية والتعليم في غزة ترسم صورة قاتمة للواقع الراهن قالت فيها إن نحو 55% من الصفوف والمدارس القائمة حاليًا باتت مجرد خيام وبدائل بدائية، بينما يواجه أكثر من 110 آلاف طالب وطالبة صعوبات بالغة تحول دون قدرتهم على التحاق مستقر بمقاعد الدراسة.

هذا التدهور الحاد ليس سوى امتداد لكارثة أعمق، إذ تشير التقديرات والإحصاءات المتقاطعة بين الوزارة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إلى أن أكثر من 625 ألف طالب وطالبة حُرِموا بالكامل من حقهم في التعليم المنتظم والأمن منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر 2023، مما يهدد بنشوء "فجوة معرفية" قد تمتد آثارها لجيل كامل.

تدمير ممنهج للتعليم

وتظهر الأرقام أن الأزمة لا تقف عند حدود التعطل المؤقت، بل تعكس تدميرًا كاملًا للمنظومة، حيث تعرضت أكثر من 80% من المنشآت والمباني المدرسية للتدمير الكلي أو الجزئي جراء القصف والغارات المتواصلة.

أما النسبة القليلة المتبقية من الأبنية التي لم تطالها النيران بشكل مباشر، فقد خرجت كليًا عن الخدمة التعليمية بعد أن تحولت إلى ملاذات ومراكز إيواء مكتظة بمئات آلاف النازحين الذين لا يملكون أي بدائل سكنية أخرى.

ولم ينحصر الاستهداف في الحجر والمنشآت، بل طال النواة الصلبة للعملية التعليمية المتمثلة في العنصر البشري، إذ ارتقى مئات المعلمين، والمديرين، والموجهين التربويين، إلى جانب استشهاد آلاف الطلبة في مختلف المراحل. هذا النزيف الحاد أدى إلى تفريغ المؤسسات من خبراتها التراكمية، وحرم الطلبة من بيئتهم التربوية الحاضنة والداعمة.

تحديات التعافي

ويقول مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم بغزة أحمد النجار في حديثه لوكالة "صفا"، إن الحديث عن إعادة استئناف الدراسة في غزة يصطدم باستحقاقات وعقبات ميدانية معقدة، وفي مقدمتها انعدام البيئة الآمنة من خلال استمرار القصف والاستهدافات اليومية حيث ينزع ذلك أي شعور بالأمان لدى الأطفال والأهالي، ويجعل التجمع داخل الخيام أو الصفوف المهترئة مخاطرة يومية.

ويشير النجار إلى المدارس المتبقية ستضل مأهولة بالنازحين، مما يجعل إخلاءها لغايات التدريس أمراً مستحيلاً دون توفير بدائل سكنية وإنسانية كافية للعائلات، عدا عن الغياب التام للمستلزمات والأدوات حيث تعاني القطاعات التعليمية من انعدام الكتب المدرسية، والمقاعد، والقرطاسية، والسبورات، إضافة إلى انعدام الوقود والمولدات.

ويلفت إلى أن انقطاع التيار الكهربائي بالكامل وتدني شبكات الاتصالات والإنترنت أدى إلى إجهاض أي حلول تعتمد على "التعليم عن بُعد" أو المنصات الإلكترونية، مما حصر العمل في خيام بدائية لا تقي الحرارة ولا البرد.

مخاطر مستقبلية

ولا يمثل تحول المدارس إلى خيامٍ من النايلون والقماش حلًا للأزمة بقدر ما يبرز عمقها المتجذر، فالطفل في هذه البيئة القاسية يفتقر للحد الأدنى من التركيز، مع استمرار مظاهر التشتت الذهني والنفسي الناجمة عن تراكم الصدمات وظروف النزوح وانعدام الأمن الغذائي.

وتفتقر البيئة التعليمية الهشة تحت الخيام لكافة المقومات الفسيولوجية والتربوية الصالحة للاستيعاب المعرفي، إذ تحولها درجات الحرارة المرتفعة صيفًا والبرد القارس شتاءً من حاضنة للتعلم إلى بيئة طاردة تُضاعف إجهاد أجساد الأطفال المنهكة أساسًا من رداءة ظروف المعيشة والمجاعة.

وينعكس هذا الواقع سلبيًا على استجابة الطفل للعملية التعليمية لتصل إلى مستويات متدنية للغاية؛ حيث يتركز اهتمامه اليومي وحواسه كافة حول مراقبة المحيط الخارجي بحثاً عن الأمان، أو السعي لتأمين المياه وقضاء الاحتياجات الأساسية لأسرته النازحة.

كما تفرض تداعيات الحرمان الممتد من البيئة الصفية المستقرة أزمات سلوكية وانفعالية متصاعدة لدى الطلبة؛ تظهر جليًا في تفاقم حالات القلق الحاد، والخوف المستمر، والانطواء، إلى جانب الانخفاض الملحوظ في الشغف والدافعية للتحصيل العلمي والتفاعل الاجتماعي.

ويضع حرمان مئات الآلاف من الطلاب من مقاعد الدراسة وتجريدهم من مهارات التأسيس والقراءة والكتابة المجتمع أمام خطر داهم يتمثل في ارتفاع معدلات التسرب وتفشي الأمية، وهو ما يحتم تدخلًا دوليًا وإغاثيًا عاجلًا يضع ملف التعليم في غزة كأولوية إنسانية لا تحتمل التأجيل.

م غ

/ تعليق عبر الفيس بوك