تُختصر في هذا المكان حكاية أكثر من عقدين من الصراع، التحولات، وشواهد التاريخ القريب، فما كان يوماً رمزاً للتوسع الاستيطاني الاحتلالي في قطاع غزة، صار اليوم علامة فارقة في خارطة النزوح والإيواء الاضطراري.
"الكنيس"، هو الإسم الشهير الذي يُطلقه الأهالي والسائقون محلياً على مبنى كنيس يهودي قديم، في منطقة المحررات بخانيونس جنوبي قطاع غزة، أو ما كان يعرف إسرائيليًا بـ"عذران".
اليوم تحول هذا المكان، من مقاطعة أمنية وموقع استيطاني، إلى وجهة معروفة ومأوى لعائلات، جرفتها حرب الإبادة بغزة من ديارها.
ومع أزمة الاكتظاظ الشديدة وتكدس مئات آلاف النازحين في مراكز الإيواء والمخيمات، وجد النازحون أنفسهم أمام خيارات اضطرارية قاسية، وجهتهم نحو الهوامش والأماكن المفتوحة وخارج نطاق العمران التقليدي.
وكانت أراضي المحررات والمباني المهجورة كمبنى "الكنيس"، ملجأً أخيراً فرضته الضرورة الملحة على عدد من النازحين، للبحث عن أي بقعة أرض تضم عائلاتهم، أو مبنًا بديلًا عن قماش الخيام.
تاريخياً، كانت هذه البقعة جزءاً من المجمع الاستيطاني الذي أُقيم على أراضي المواطنين في خان يونس ومحيطها، وشكل الكنيس اليهودي المقام فيها، شاهداً على محاولات فرض الواقع الاستيطاني.
غير أن هذا التاريخ شهد نقطة تحول فارقة في عام 2005، حين أُجبر الاحتلال على الاندحار والانسحاب الكلي من قطاع غزة، وتفكيك مستوطناته تحت ضربات المقاومة الفلسطينية وصمود الأهالي، لتعرف تلك المناطق رسمياً باسم "المحررات".
اليوم، وتحت وطأة أزمة النزوح المتفاقمة، تحول اسم "الكنيس"، أو كما يقال بين الناظمين "الكنيسة"، إلى موقف ومحطة رئيسية لمركبات النقل العام، وأحد أشهر المعالم التي يقصدها النازحون والسائقون للوصول إلى مراكز الإيواء.
شهادات من قلب المكان
في محيط المبنى الذي لا تزال معالمه الخرسانية تشهد على حقبته الماضية، تقطن عشرات العائلات النازحة داخل خيام وملاجئ مؤقتة جرى إنشاؤها بين بقايا الجدران.
يقول محمد دوحان (58 عاماً)، وهو نازح من رفح، يعيش مع عائلته في محيط المبنى، "لم نجد متسعاً في أي مدرسة أو مخيم رسمي، فالازدحام هناك خيالي والأهالي متكدسون فوق بعضهم البعض".
ويضيف لوكالة "صفا"، أنه عندما "وصلنا إلى هنا، أخبرنا السائق أنه سيضعنا عند الكنيسة".
يستطرد "للوهلة الأولى استغربنا الإسم، لكننا عرفنا سريعاً أنه الكنيس اليهودي القديم الذي كان في أراضي المحررات قبل عام 2005".
ويعصر الألم عائلة دوحان، أنها تعيش ظروف نازحين اضطرتهم الظروف للجوء لهذه الأماكن المهجورة.
لكن محمد يقول "لكن هناك رمزية لا تغيب عن أذهاننا، فهذا المكان الذي حاول الاحتلال تثبيت وجوده فيه، اندحر عنه وسقطت مخططاته، ونحن اليوم فيه رغم صعوبة العيش".
أما أم إبراهيم القهوجي، (42 عاماً)، فتصف واقع المعيشة اليومية داخل الموقع قائلة "الحياة هنا في أراضي المحررات قاسية جداً، جئنا إلى هنا اضطراراً بسبب التكدس والضغط الرهيب في المناطق المأهولة".
وتستدرك لوكالة "صفا"، "لكننا نصطدم بنقص حاد في المياه، وانعدام للخدمات الأساسية، وخيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء".
وعلمت القهوجي "أن المكان كان كنيساً للمستوطنين قبل الانسحاب أيام شارون جحمه الله، في 2005"، وفق روايتها.
وتتابع "واليوم تحول بقايا جداريته إلى سواتر نُعلّق عليها أغطيتنا ونحتمي بها".
المعاناة كبيرة، لكن الوعي بتاريخ المكان يعطينا صبراً بأن الشدة ستزول، كما زال الاستيطان من هذه الأرض، تختصر التاريخ أم إبراهيم.
معلم نزوح حديث
من جانبه، يؤكد أبو سليم، وهو سائق مركبة نقل عام يعمل على خط المحررات، أن اسم "الكنيسة"، أصبح معلماً يشار إليه في جدول تنقلات السائقين والنازحين، خصوصاً مع تحول أراضي المحررات إلى متنفس أخير للنازحين.
يستحضر لوكالة "صفا"، "تقول للراكب الكنيسة، فيعرف فوراً أنها مكان للنازحين وليس للصلاة".
"المكان تغيرت وظيفته عبر التاريخ، لكنه يظل شاهداً على أن الأرض ترجع لأصحابها مهما طال الزمن"، يجزم السائق.
وتستمر منطقة "الكنيسة" في محررات "بعذران" المندحرة، بتكثيف التناقض الفلسطيني، ذاكرة تحرر عام 2005، وواقع لجوء ونزوح اليوم، في تجسيد حي لشعب يواصل الصمود ويعيد تعريف أمكنته رغم جراح الحرب.
