web site counter

إرادة تقهر الركام.. "مدرسة مكة" تجسّد شغف غزة بالعلم وتعيد الأمل بـ"الوجاهي"

غزة - خـاص صفا

من بين ثنايا المعاناة الممتدة وقلب الخيام المنصوبة على رمال منطقة المواصي جنوبي قطاع غزة، يبرهن شعبنا الفلسطيني مجددًا على أن شغفه بالعلم والتعلم عصيٌّ على الانكسار أو المحو.

فبينما تحاول ظروف الحرب والنزوح القاسية إطفاء نور المعرفة، وتهميش حق الجيل الناشئ في مقاعد الدراسة، تتحدى الإرادة الواقع الصعب وتعود "الكتاتيب" والفصول البديلة لترتسم فوق الركام، معلنةً ميلاد تجربة تعليمية وجاهية جديدة تمثلت في تدشين "مدرسة مكة"، لتُعيد للطلبة حقهم الأصيل في التعليم وشغفهم اللامحدود بالإمساك بالقلم والراية والكتّاب.

ويأتي افتتاح "مدرسة مكة" كإحدى أهم المبادرات الإنسانية ضمن مشروع إنشاء وتأمين مساحات تعليمية آمنة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وبإشراف وتنفيذ ميداني مباشر من المركز السعودي للثقافة والتراث، وبالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، ليُشكل هذا المشروع وفق القائمين عليه فارقًا جوهريًا ونقطة تحول في حياة آلاف الطلبة النازحين الذين انقطعوا لشهور طويلة عن البيئة المدرسية المنتظمة.

استجابة طارئة لواقع معقد

ويقول رئيس المركز السعودي للثقافة والتراث في غزة عصام أبو خليل، في حديث لوكالة "صفا"، إن فكرة إنشاء المدرسة في منطقة المواصي جاءت استجابة إنسانية طارئة للكثافة السكانية الخانقة التي فرضها نزوح مئات آلاف العائلات من مختلف مناطق القطاع نحو الشريط الساحلي الجنوبي.

ويوضح أبو خليل أن المدرسة تستهدف انتشال الأطفال والنازحين من حالة الفراغ التعليمي القاتل وحمايتهم من خطر الجهل والضياع، عبر استبدال بيئة اللجوء والنزوح العشوائية بأجواء دراسية ترتكز على النظام والالتزام، مما يُعيد ترتيب اليوم لدى الطفل ويغرس في وجدانه الأمل بمستقبل أفضل.

ويشير إلى أن المدرسة جُهزت لتكون بمثابة مساحة آمنة تُراعي الحد الأدنى من المقومات البيئية والهادئة، وتأخذ بالحسبان التحديات الجوية والمناخية الصعبة التي تتسم بها منطقة الخيام بالمواصي، إذ وُفرت الفصول الميدانية المجهزة بالسبورات والمقاعد البديلة، مما يتيح للطلاب التواجد في بيئة محفزة تبعدهم عن الضغوط النفسية اليومية وتمنحهم الأمان الاجتماعي والتربوي".

تدرّج تشغيلي وفرص عمل

وتعتمد المدرسة، وفق أبو خليل، آلية تنظيمية متدرجة في استقبال الطلاب وتحديد المستويات الدراسية، إذ بدأت طاقتها التشغيلية في المرحلة الأولى باستيعاب 1,000 طالب وطالبة يتوزعون على فترات دراسية متعددة وشعب مختلفة للتعامل مع الزخم الطلابي الهائل في المنطقة.

ولم يقتصر أثر المشروع على الجانب التعليمي للطلاب فحسب، بل امتد ليرمم جدار المنظومة التعليمية والمجتمعية من خلال توفير 32 فرصة عمل للمعلمين والمعلمات والكوادر الإدارية والمتخصصة من الكفاءات الشابة والخبرات التربوية التي فقدت مصدر رزقها.

وتعمل هذه الكوادر على تطبيق خطط دراسية استدراكية ومكثفة تُراعي الفجوة التعليمية الشاسعة التي خلفها الانقطاع، مع الاعتماد على المواد التعليمية الأساسية والأنشطة التفاعلية لتجاوز النقص الحاد في المستلزمات والكتب المدرسية الرسمية.

الدعم النفسي

وإلى جانب المناهج والتحصيل العلمي، تضع "مدرسة مكة" برنامج الدعم النفسي والاجتماعي في صلب جدولها اليومي، حيث يشرف على هذا الجانب أخصائيون نفسيون واجتماعيون يعملون على تقديم أنشطة التفريغ الانفعالي، واللعب الجماعي، والورش الفنية والموسيقية المساندة، التي تساعد الأطفال على التفريغ النفسي والتعافي من آثار الصدمات المتراكمة ومشاهد الخوف والنزوح.

ويؤكد أبو خليل أن "العودة للتعليم الوجاهي والتفاعل المباشر بين الطلاب والمعلمين يُسهمان بشدة في إعادة بناء الهوية النفسية والاجتماعية للطفل، وتمنحه إحساساً بالاستقرار بين أقرانه، مما يحول المدرسة من مجرد مكان لتلقي الدروس إلى ملاذ حقيقي للتعافي وبناء الصمود وإعادة الحياة إلى طبيعتها".

ويضيف رئيس المركز السعودي للثقافة والتراث في غزة أن افتتاح المدرسة يمثل بارقة أمل حقيقية ونافذة نور للأطفال، ويُسهم بشكل مباشر في منحهم الفرصة لاستعادة مسيرتهم التعليمية وجزءاً من حياتهم الطبيعية داخل بيئة صحية وآمنة ومحفزة على الإبداع.

مخططات التوسعة

ويلفت أبو خليل إلى أن المشهد الميداني في المواصي يعكس الصورة الحقيقية لأهالي غزة الذين يقابلون التحديات والمآسي بصلابة وعزيمة عبر التمسك بالعلم، مبيناً أن المشروع يُنفذ وفق رؤية استراتيجية وآلية مرحلية مُخطط لها بدقة.

ويبيّن أن الخطوات المقبلة تتجه بثبات نحو رفع الطاقة الاستيعابية إلى 4,000 طالب وطالبة لضمان شمول أكبر عدد ممكن من الأطفال النازحين في منطقة المواصي والمناطق المجاورة لها.

ويتابع "هذا المشروع يجسد اهتمام المملكة العربية السعودية الاستراتيجي بدعم الشعب الفلسطيني، وتحديداً في قطاع التعليم الذي يُعتبر العمود الفقري لأي مجتمع؛ انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الاستثمار في الإنسان والعقل هو الاستثمار الأبقى والأهم، وأن حماية حق الأطفال في التعليم والعودة الوجاهية للدراسة هي مسؤولية إنسانية وأخلاقية مشتركة لا يمكن تأجيلها أو التخلي عنها تحت أي ظروف".

ولا تتوقف طموحات القائمين على المشروع عند حدود المرحلة التشغيلية الحالية، إذ يتضمن المخطط الشامل للتوسع بناء المزيد من الفصول وزيادة عدد الكوادر التعليمية والإدارية واستيراد المواد التعليمية المساعدة، لضمان استيعاب الأطفال المقيمين في مخيمات النزوح كافة.

وتدعو الجهات المشرفة على المدرسة المؤسسات الدولية والإنسانية والمنظمات الأممية والتنموية التابعة للأمم المتحدة لتكثيف جهودها ودعم قطاع التعليم في غزة، وتوفير الحقائب المدرسية، والمستلزمات والقرطاسية، والخيام التعليمية المجهزة بالوسائل اللوجستية الحديثة، لتطوير هذه التجربة وتعميمها في مناطق النزوح والتجمعات السكنية داخل القطاع.

أ ج/م غ

/ تعليق عبر الفيس بوك