واصلت الدول العربية والإسلامية ضغطها على الاحتلال الإسرائيلي للالتزام بخارطة الطريق لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة عبر مطالبته بوقف انتهاكاته المتواصلة لاسيما بعد موافقة حركة حماس والفصائل الفلسطينية على مقترح تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
وكانت 8 دول عربية وإسلامية (مصر والسعودية والأردن وقطر وتركيا والإمارات وباكستان وإندونيسيا) حذّرت، يوم الخميس، من أن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة تقوّض اتفاق وقف إطلاق النار، مطالبة مجلس الأمن الدولي بضرورة التحرك العاجل لإلزام "إسرائيل" بتعهداتها والتزاماتها الدولية.
وبنفس الاتجاه كانت الدول الوسيطة (مصر وقطر وتركيا) أعربت في بيان مشترك الإثنين الماضي عن إدانتها واستنكارها الشديد للانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، ولاسيما استهداف المرافق الصحية وسقوط أعداد من الضحايا المدنيين.
بينما أكدت وزارة الخارجية القطرية، يوم الثلاثاء، أن حركة حماس التزمت بكل شيء متوقع منها أن تفعله باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، داعية المجتمع الدولي إلى إلزام "إسرائيل" بتنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق.
هذه المواقف جاءت بعدما أعلنت "حماس" والفصائل الفلسطينية رسمياً موافقتها على خارطة الطريق التي قدمها الوسطاء و"مجلس السلام" لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار واستكمال المرحلة الثانية في قطاع غزة.
وأسفرت انتهاكات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/ تشرين أول الماضي عن استشهاد 1255 مواطنًا وإصابة 4125 آخرين، رغم التزام فصائل المقاومة الكامل بالاتفاق.
3 مواقف أساسية
بهذا الصدد يقول الكاتب في الشأن السياسي وسام عفيفة إنه بعد التوافق في 31 يوليو/ تموز الماضي على الوثيقة الخاصة بخارطة ملادينوف والإعلان لاحقًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أن ما حدث يُعدّ إنجازًا تاريخيًا، باتت الأطراف تعتقد أنه ينبغي بذل جهد أكبر، وهنا يأتي دور الوسطاء والإدارة الأمريكية، وكذلك مجلس الأمن.
وينوه عفيفة في حديثه لوكالة "صفا" إلى أن "الدول الثماني التي أصدرت البيان هي أعضاء في مجلس السلام، وبالتالي أصبحنا أمام ثلاثة مواقف أساسية".
أول هذه المواقف بحسب عفيفة، هو موقف الإدارة الأمريكية، الذي يصفه بالأهم كونها أعلنت الاتفاق وطرحته باعتباره أصبح أمرًا واقعًا، كما أنها اطّلعت على هذه الصيغة، ولم تقبل أن تُطرح عليها لاحقًا ملاحظات أو تحفظات تُغيّر مضمون الخارطة، وفق قوله.
ويضيف أن "الموقف الثاني هو للوسطاء الثلاثة (مصر وقطر وتركيا)، الذين مارسوا ضغوطًا كبيرة على المقاومة لإبداء المرونة اللازمة، وبالفعل استطاعوا الوصول إلى هذا المستوى من المرونة".
بينما الموقف الثالث – بحسب عفيفة- هو للدول الثماني العربية والإسلامية، التي أعلنت موقفها بوضوح، وهو مسار إضافي يهدف إلى وضع الاحتلال أمام مسؤولياته وعزله سياسيًا.
ويشير إلى أن "الاحتلال، وإن لم يُعلن رفضه للاتفاق بشكل صريح، فإن ممارساته تؤكد أنه لم يقبله، إذ قدّم للإدارة الأمريكية ملاحظات وتحفظات تنسف 15 بندًا من الاتفاق، وتهدد في الأساس مبادرة ترامب".
فضح الاحتلال
ويعتقد عفيفة أن "هذه المواقف المتوازية تمثل إضافة جديدة، إذ إن الوسطاء كانوا دائمًا يحاولون الإمساك بالعصا من المنتصف، أما اليوم فقد باتوا يفضحون ممارسات الاحتلال، ويكشفون أنه الطرف المعطل، ويضعونه في زاوية الاتهام".
ويرى الكاتب أن "هذا الموقف يجب أن يترجم إلى حالة ضغط حقيقية على الإدارة الأمريكية للاستمرار في المسار الذي تبنّته، لأن هذه الورقة، هي نتاج مشروع متكامل انبثق عنه مجلس السلام ولجنة التكنوقراط".
ويعتبر أن "مشروع ترامب لم يحقق حتى الآن أي إنجاز حقيقي منذ إطلاقه"، مشيرًا إلى أن هذه الفرصة ربما تكون الأولى والأخيرة بهذا القدر من الجدية.
ويتابع عفيفة "إذا لم يُستكمل تنفيذ باقي الاستحقاقات (في الاتفاق)، القائمة على الالتزام المتبادل والتوازي في الخطوات، فإن المشروع سيكون مهددًا بالفشل".
ويشير إلى أنه "من غير المعقول أو المقبول، أن يُطالب الاحتلال المقاومة بتسليم سلاحها، لأن ذلك غير وارد، كما أن الوعود المؤجلة بهذا الشأن ليست جزءًا من الاتفاق".
ويبين عفيفة أن "الورقة قامت أساسًا على مبدأ التوازي في تنفيذ الالتزامات، وهذا أمر جوهري في قدرة الوسطاء على ترجمة الاتفاق إلى خطوات عملية".
ويؤكد أن "المطلوب الآن هو ألا يتراجع الوسطاء، وألا يخضعوا للابتزاز الإسرائيلي، وألا يتحولوا إلى أطراف تراعي الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، أو تتفهم احتياجات نتنياهو وائتلافه، الذي يبحث عن مكاسب قبيل الانتخابات المقبلة".
ويتوقع عفيفة أن تنسحب هذه المواقف على أطراف دولية أخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، لاتخاذ خطوات أكثر جدية، مثل توسيع المقاطعة، ووقف التعاون التجاري، ووقف تسليح الاحتلال.
ويرى أنه "إذا اتُخذت هذه الخطوات، فإنها ستشكل حالة ضغط حقيقية، ومن المتوقع أن يتأثر الاحتلال بها، وحينها قد نشهد انخفاضًا في وتيرة الاستهدافات والقصف في قطاع غزة".
ويلفت الكاتب إلى أن "الاحتلال لم يُعلن حتى الآن رفضه الصريح للاتفاق، لكن سلوكه يعكس تحايلاً ورفضًا جزئيًا، وعدم التزام بمبدأ التوازي في تنفيذ الخطوات، ما يشير إلى وجود إصرار لدى الحكومة الإسرائيلية على مواصلة هذا النهج، خاصة أنها تعتبر الاتفاق تهديدًا لها قبيل الانتخابات".
ويمضى عفيفة قائلًا: "يبقى السؤال إلى أي مدى ستصمد الإدارة الأمريكية والوسطاء أمام هذا التحدي؟ والإجابة تعتمد على مدى جدية الأطراف الأخرى في استكمال حالة الضغط، وعدم منح الاحتلال فرصة للإفلات من تنفيذ استحقاقات الاتفاق".
مواقف متأخرة
من جهته يقول أستاذ الإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة وائل المناعمة إن "المواقف العربية والإسلامية جاءت لتعلن بشكل واضح من هو الطرف الذي عطّل تنفيذ بنود الاتفاق، إذ كان الاحتلال الإسرائيلي في كل مرة هو المعطّل الأول والأخير لجميع بنود هذا الاتفاق، وكان يتنصل منها ويقدم حججًا واهية".
ويؤكد المناعمة لوكالة "صفا" أن "هذه المواقف وإنها جاءت متأخرة تخدم الرواية الفلسطينية التي طالبت على مدار شهور عديدة بأن يكون للوسطاء جميعًا موقف واضح".
ويضيف أن "الفلسطينيين ما زالوا ينتظرون الموقف الأمريكي، وأن يكون واضحًا، لا أن يستمر، كما اعتدنا، في الانحياز إلى جانب الاحتلال وتبرير جرائمه بحق أبناء شعبنا الفلسطيني".
ويتابع المناعمة "إذا كانت الولايات المتحدة، كما قال الرئيس ترامب، تريد أن تكون وسيطًا، فعليها أن تعلن بوضوح من هو الطرف الذي يعطل تنفيذ البنود التي أعلنها ترامب، ووافق عليها الفلسطينيون منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025".
ويرى أن المطلوب هو تحول هذه المواقف إلى قرارات عملية، وأن تتوجه هذه الدول إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن، خاصة أن بعضها أعضاء في المجلس، من أجل استصدار قرار دولي يُجبر الاحتلال على الالتزام ببنود الاتفاق، سواء بوقف إطلاق النار، أو الانسحاب من القطاع، أو فتح المعابر، والشروع في إعادة الإعمار.
