على أطراف طاولة خشبية متهالكة، ينساب غراء دافئ بين أصابع جميل مقداد، يلمس بها حواف مصحف محترق الأطراف، تمزقت أحشاؤه بفعل الشظايا.
يُسند مقداد المترجم والطابع المحبوب، صدره إلى الطاولة، يقلب الصفحات البالية برفق وكأنه يضمد جراح أجساد لا أوراق، ثم يتوقف لينظر إلى الفراغ.
ويقول بصوت يملؤه الشجن لوكالة "صفا"، "أنا لما بمسك المصحف، بمسك روح، كأني بعمل صيانة لحياتي من ولا شيء".
في غزة التي تطحنها حرب الإبادة الجماعية، امتد النزيف ليطال المعتقد والروح، أُحرقت المطابع، ودُمّرت المساجد والمكتبات العامة، واستُهدفت دور العبادة لتتحول آلاف المصاحف إلى رماد تحت الأنقاض.
وتتفاقم هذه الأزمة بفعل قرار الاحتلال الصارم بمنع دخول المصاحف الجديدة ومستلزمات الورق والطباعة إلى قطاع غزة بشكل كامل، في وقت تتزايد فيه حاجة السكان الملحة للقرآن، حيث تعج الخيام ومراكز الإيواء المكتظة بحلقات الحفظ.
ويقبل الأهالي والأطفال بالصيف، على كتاب الله بحثاً عن السكينة وسط أهوال القصف والنزوح.
تعلق بالعمل وصدمة الحرق
مهنة تجليد المصاحف لدى "مقداد"، لم مجرد شغل يدوي، بل ولدت من قلب الفقد والمأساة، فعقب عودته من رحلة نزوح مريرة استمرت شهرين، فوجئ بحجم الفاجعة التي حلت بمكانه في مخيم الشاطئ.
يتذكر في حديثه لـ"صفا"، تلك اللحظة بحسرة حارقة وهو يلمس بقايا أوراق متفحمة "صلحنا المصاحف الممزقة والمهترية بعد الحرب، ورجعنا من النزوح لمدة شهرين، وجدنا مكتبتنا ومطبعتنا محروقة، وأغلب الأوراق والكتب والمصاحف اللي فيها محروقة".
ويرفد مقداد حديثه بكشف حجم الخسارة الهائلة التي تكبدها في مخيم الشاطئ قائلًا: "مطبعتي اللي بمخيم الشاطئ كان فيها مئات المصاحف والكتب والدفاتر، خسارتي فيها تجاوزت 200 ألف دولار".
يضيف "أكثر من 70% من البضاعة والمصاحف انحرقت بالكامل، وما ضل شيء".
دور حيوي وملاذ للطالبين
وعن الدور الحيوي الذي كان يؤديه قبل هذا المحو، يوضح بنبرة يملؤها الأسى "كان كثير من المواطنين ومؤسسات يعتمدون عليا، في توفير المصاحف والكتب، نوزعها للمراكز وحفاظ القرآن، وفي شهر رمضان والمآتم وللناس اللي بتطلعها صدقات عن أرواح شهدائها وموتاها".
ومستدركًا "الحريق ما دمر مطبعة فقط، بل دمر شريان كان يغذي دور القرآن والمراكز".
وأمست المطبعة هشيماً، غير أن الحاجة والواجب دافعاه للتحرك من وسط الرماد.
يقول جميل "جاءت فكرة لأنه ما فيش مصاحف بتدخل للبلاد جديدة بدل المصاحف الممزقة، إن نعيد تصليح بما نستطيع، وصيانة هذه المصاحف للقراءة والحفظ فيها إن شاء الله".
وبين أدوات يدوية شحيحة، وأقمشة وكرتون ينعدم وجوده تدريجياً بسبب الحصار المطبوع، يخوض مقداد معركة يومية لإنقاذ ما تبقى من آيات.
يصف طريقته المعقدة قائلًا: "نحن في ديننا كمسلمين تعلمنا أن نكون أصحاب رسالة، ولهذا استصلح المصاحف، فالورق الممزق نحضر مصحف مشابه ونصور الخلل ونضيفه ونقصه على المقاس نفسه، ويعود المصحف صالحوا للاستخدام".
ولكن الأمر يأخذ وقتًا وتعبًا من "مقداد"، الذي يشير إلى خاماته الشحيحة، بالقول "الأدوات الموجودة الكرتون والقماش، وهذه الأدوات كثير منها بدأ ينقطع، والغِراء شبه معدوم، والكرتون كذلك، لأنه كل شغلنا يدوي، ولا يوجد آلات".
وتتعدى هذه المبادرة مجرد التجليد اليدوي لتبلغ عمق الدعم النفسي والإيماني للأهالي، وعن ردود أفعالهم يقول جميل، "والله الناس ينبسطون، أنهم يجدون وسيلة تعيد المصحف جميلًا، مرتبًا، بدون أي مقابل".
ووسط شح المصاحف الممنوعة من الدخول ورائحة البارود، يقف هذا الرجل خلف طاولته، ينفض الغبار عن آيات الذكر الحكيم ليمنح غزة قلباً ينبض بالأمل.
ويختتم حديثه، "إن شاء الله ترجع السلامة والأمن والأمان لبلدنا، ونرجع نعمر ما تدمر من بيوت ومن مساجد ومن حياة".
