web site counter

إعادة تدوير القضبان الصدئة.. عندما يُنتزع سقف البيت المهدوم لصنع ظلال النزوح بغزة

غزة - خاص صفا

في أزقة المخيمات ومحيط مراكز الإيواء في قطاع غزة، لم تعد قضبان الحديد الخرسانية مجرد دعائم لرفع البنايات، بل تحولت إلى عصب أساسي لحياة نزح أصحابها تحت وطأة الحرب.

ووسط غياب مواد البناء وإغلاق المعابر، يبدأ العشرات من العمال والمهجرين يومهم بين جبال الركام. يحفر هؤلاء بأيديهم وأدواتهم البدائية لاستخراج حديد التسليح العالق تحت أطنان الخرسانة المدمرة، في رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر.

ويقتطع العاملون، مترًا تلو الآخر، قضبان الحديد لإعادة تشكيلها وصنع حوامل ومظلات (عرائش) تقيهم وهج الشمس أمام خيامهم المتهالكة، أو لصنع أثاث بسيط كالأسرّة والطاولات، بما يعزز استقرار الخيمة.

أعمال يدوية وفتل للحديد

وتحت أشعة الشمس الحارقة، يتصبب العرق من وجه أسامة النجار (42 عامًا)، وهو يمسك بأداة لتعديل الحديد وتقويم قضيبٍ ملتوي انتشله للتو من بقايا منزل جيرانه، ويقول واصفًا: "العمل هنا يشبه الحفر في الصخر، فالمطرقة والإزميل هما سلاحنا الوحيد لفك هذا الحديد المتشابك من بين الخرسانة".

ويضيف: "الخطأ الواحد قد يكلفنا إصابة خطيرة".

ويستخرج النجار الحديد بشق الأنفس، ثم يصلحه ويبيعه للنازحين، "أو نستخدمه لنستتر به"، كما يقول.

وعلى مسافة غير بعيدة، يبني محمد العطار (35 عامًا) عريشة صغيرة أمام خيمة عائلته مستعينًا بتلك القضبان المعدلة.

ويوضح قسوة الظروف المالية قائلًا: "نشتري متر قضيب الحديد المستخرج والمُصلح بخمسة شواكل، وهو مبلغ باهظ مقارنة بظروفنا المعدومة، لكن لا بديل لدينا".

ويتابع: "الخيمة المصنوعة من الكتان والمطاط تتحول إلى فرن بسبب الحرارة، ولا سبيل لصنع مظلة تتصدى للرياح والحر إلا بقطع الحديد هذه التي كانت يومًا سقفًا لبيت أحدهم".

أما النازحة فايزة حمدان (58 عامًا)، فتستذكر مرارة هذه الحاجة بأسى، قائلة: "كنا نعيش في بيوت، واليوم نعتمد على هيكل بيوتنا المهدمة لنستند إليه داخل الخيمة".

وتوضح: "أصلحنا بضعة قضبان لنرفع بها قماشًا ونصنع ظلًا لأحفادي، فالحياة وسط الركام فرضت علينا أن نعيد تدوير المأساة حتى لا نموت من الشمس".

إحصاءات صادمة ومخاطر

وتتجسد هذه المأساة الفردية في أرقام وإحصاءات أممية ودولية توثق حجم الدمار الهائل في القطاع، إذ تشير التقديرات إلى أن حجم الركام الناتج عن تدمير المباني والبنية التحتية تجاوز 60 مليون طن.

ووفقًا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، فإن إزالة هذا الركام الهائل وإعادة تدويره تشكل تحديًا غير مسبوق قد يستغرق سنوات طويلة، حيث يُقدَّر أن الركام يحتوي على كميات ضخمة من حديد التسليح.

وتقدر وزارة الأشغال العامة والإسكان كمية الركام الناتجة عن حرب الإبادة وتدمير المباني والمنشآت بنحو 60 مليون طن.

وتقول الوزارة لوكالة "صفا" إن عدة جهات تعمل على إزالة الركام، أبرزها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، من خلال تنفيذ مشروع لإزالة الركام وفتح الطرق، وتُقدَّر كمية الركام المقرر جمعها بنحو 900 ألف طن.

ويوضح التصريح الوزاري أن جهود إزالة الركام تتم عبر برنامج الأمم المتحدة من خلال جمع الركام وفرزه وإعادة تدويره بما يساهم في إعادة استخدامه وفق الحاجة، إضافة إلى اللجنة المصرية التي تنفذ مشاريع لفتح الطرق، واللجنة القطرية التي تعمل على إزالة الكتل الخرسانية الخطرة.

ويضيف أنه في ظل الظروف الصعبة التي يعانيها سكان قطاع غزة، وتشديد الاحتلال للحصار، وعدم اقتصار منع إدخال مواد الإعمار، بل امتداده إلى مواد الإيواء مثل الخشب وألواح الصاج وغيرها، تسعى وزارة الأشغال إلى الاستفادة قدر الإمكان من ركام المباني والمنازل المدمرة واستخدامه موردًا بديلًا.

ووفقًا للوزارة، تتم الاستفادة من الركام عبر استخراج حديد التسليح باستخدام معدات الهدم والإزالة اليدوية، ثم استخدامه في تركيب الخيام بديلًا عن الخشب.

ويلفت إلى نقل الأعمدة الخرسانية بعد قصها لتدعيم المباني الخطرة الآيلة للسقوط من خلال تركيبها بطريقة هندسية محددة، وكذلك الاستفادة منها في إنشاء الجدران الاستنادية لمنع انهيارات التربة.

ويشير أيضًا إلى استخدام ناتج فرز وتكسير الركام في أعمال الطرق، عبر ردم الحفر وفرد طبقات تسهم، بالحد الأدنى، في معالجة أضرار البنية التحتية وشبكات الطرق، وتسهيل حركة المواطنين والمركبات قدر الإمكان.

ر ب

/ تعليق عبر الفيس بوك