في خيام النزوح المنتشرة بمناطق متفرقة من قطاع غزة، لا تقتصر معاناة المواطنين على آثار الحرب وفقدان المنازل ومقومات الحياة الأساسية، بل تمتد إلى مخاطر يومية متفاقمة مع ارتفاع درجات الحرارة وانتشار القوارض والحشرات، ما يهدد صحة وسلامة آلاف النازحين، ولاسيما الأطفال.
وتحوّلت مخيمات النزوح، في ظل الاكتظاظ وتراكم النفايات وشح المياه وضعف خدمات الصرف الصحي، إلى بيئة خصبة لتكاثر البعوض والبراغيث والفئران، الأمر الذي يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض الجلدية والعدوى، ويضاعف معاناة العائلات، التي تعيش في ظروف قاسية.
معاناة متفاقمة
يقول الثلاثيني علاء أبو زينة، الذي يعيش داخل خيمة في دير البلح وسط القطاع، إن الحياة داخل الخيام أصبحت لا تُطاق مع حرارة الصيف.
ويضيف أبو زينة، في حديثه لوكالة "صفا"، "النهار في الخيمة يقتلك وأنت حي. مع ساعات الصباح الأولى، تتحول الخيمة المصنوعة من النايلون والقماش إلى ما يشبه الفرن لا نستطيع البقاء داخلها، والأطفال يبكون باستمرار من شدة الحر، فلا توجد كهرباء، ولا مروحة، ولا حتى ظل نلجأ إليه".
ويوضح أن المعاناة لا تنتهي مع غروب الشمس، بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر قسوة، مردفًا "بمجرد أن تغيب الشمس، يبدأ هجوم البعوض والبراغيث. أجساد أطفالي أصبحت مليئة بالبقع الحمراء والحكّة الشديدة".
ويتابع "لم نترك حلًا أمامنا لإنهاء هذه المعاناة لكن دون جدوى، وفي أغلب الليالي أظل ألوّح بقطعة قماش فوق رؤوسهم حتى يتمكنوا من النوم لعدة دقائق".
ويعرب أبو زينة عن أمنيته وآلاف النازحين بحياة كريمة، مطالبًا بتدخلات عاجلة لتحسين الظروف البيئية، ومكافحة الآفات، وتوفير المياه والخدمات الصحية، إلى جانب تسريع جهود إعادة الإعمار وإنهاء معاناة المواطنين بغزة.
وفي مواصي خانيونس جنوبي القطاع، يصف مجد الحويحي، النازح من بيت حانون شمالًا، كيف أصبحت القوارض جزءًا من الحياة اليومية داخل المخيمات، قائلاً: "الفئران أصبحت تتشارك معنا الخيمة بشكل فعلي. تدخل ليلاً بحثًا عن أي بقايا طعام، وأصبحت أخشى على أطفالي من أن تُعضّهم وهم نيام. فكم مرة استيقظنا على حركة للفئران بالقرب من فراشهم".
ويبيّن الحويحي، لوكالة "صفا"، أن الظروف البيئية الصعبة أسهمت في تفشي الأمراض الجلدية بين الأطفال، مضيفًا "العدوى تنتشر كالنار في الهشيم في مخيمات النزوح. كما أن قلّة المياه الصالحة للاستحمام مع الحر الشديد وعرق الأطفال ولدغات البراغيث والبعوض تسببت في ظهور طفح جلدي شديد".
ويردف "الأطفال يحكّون أجسادهم حتى تدمى، وتنتقل العدوى من طفل لآخر بسرعة بسبب الاكتظاظ وضيق المساحة في مخيمات النزوح، ولا يتوفر أي علاج مجدٍ لتلك المعاناة".
ويشير الحويحي إلى أن بعض الجهود بُذلت للتخفيف من الأزمة، موضحًا أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) نفذ عمليات رش لمكافحة البعوض ووضع طعوم سامة بين الخيام للحد من انتشار القوارض، لكنه يؤكد أن تأثيرها ظل محدودًا، إذ "لا جدوى من هذا كله، فالقوارض عددها أكبر مما كنا نتصور".
مخاطر وتحذيرات
بدوره، يحذر مدير وحدة السلامة ومكافحة العدوى في وزارة الصحة بغزة، بسام مسلم، من تزايد انتشار الأمراض بين النازحين نتيجة تدهور الواقع البيئي داخل مخيمات النزوح، في ظل انتشار القوارض والحشرات الضارة، وارتفاع درجات الحرارة، ومشكلات الصرف الصحي وانعدام النظافة.
ويقول مسلم، في حديثه لوكالة "صفا"، إن الواقع البيئي المتدهور أدى إلى انتقال البكتيريا والفيروسات إلى الإنسان عبر القوارض والحشرات، ما تسبب بانتشار عدد من الأمراض، ولاسيما بين الأطفال من عمر عام وحتى 16 عامًا، وكبار السن والنساء الحوامل، باعتبارهم الفئات الأكثر عرضة للإصابة بسبب ضعف مناعتهم.
ويضيف مسلم أن فصل الصيف يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بأمراض عدة، أبرزها التهاب الكبد الوبائي، إضافة إلى أمراض تشبه النزلات المعوية المتكررة لدى الأطفال، والتي تؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من السوائل وإضعاف أجسادهم، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة، ونقص المياه وتلوثها.
ويشير إلى أن انتشار البراغيث داخل المخيمات، وغياب مواد التنظيف والتطهير، إلى جانب ضيق المراكز التعليمية وعدم توفر بيئة صحية مناسبة فيها، كلها عوامل أسهمت في زيادة انتقال الأمراض بين هذه الفئات.
ويبيّن مسلم أن الطواقم الطبية لا تعالج اللدغات الناتجة عن القوارض أو الحشرات بشكل مباشر، وإنما تتعامل مع المضاعفات والأعراض الناتجة عنها، مثل الطفح الجلدي وارتفاع درجات الحرارة، لافتًا إلى أن المستشفيات تستقبل عددًا من هذه الحالات وتوفر العلاج اللازم لها.
ويوضح أن الجهات المختصة تواصل تنفيذ حملات لمكافحة القوارض والحشرات عبر رش المبيدات داخل المخيمات، وعلى الأغطية، وفي محيط البيوت المهدمة التي تشكل بيئة رطبة لتكاثر هذه الآفات وانتشارها.
إرشادات وقائية
ويؤكد أن ظروف النزوح، وتردي البنية التحتية، ومشكلات الصرف الصحي، وانعدام النظافة، تعد من أبرز الأسباب التي تغذي انتشار الأمراض داخل المخيمات، مشددًا على أهمية تكثيف حملات مكافحة القوارض والحشرات باستخدام المبيدات المناسبة.
ويدعو مسلم المواطنين والنازحين إلى الالتزام بعدد من الإجراءات الوقائية، أبرزها، تعريض الأغطية والأفرشة لأشعة الشمس بشكل يومي للحد من انتشار البراغيث، إضافة إلى الإكثار قدر الإمكان من الاستحمام، خاصة للأطفال، واستخدام الصابون والمنظفات والمطهرات بشكل منتظم، للمساعدة في تقليل آثار اللدغات والوقاية من الأمراض المرتبطة بانتشار القوارض والحشرات.
