في مشاهد اليوم، التي تعكس ذروة التغول والوحشية، يبدو جليًا، تمادي الجماعات الاستيطانية المسلحة في استباحة دماء الفلسطينيين وأراضيهم بالضفة الغربية المحتلة، عبر جرائم إعدام ميداني جهاراً نهاراً.
هذه الجرائم، التي لن يكون آخرها مجزرة قرية تل بنابلس، تُعجل بدفع المنطقة برمتها، نحو انفجار شامل ومفتوح على كافة الاحتمالات، كما يؤكد مختص بشؤون الاستيطان.
واستشهد، يوم الجمعة، أربعة مواطنين وجرح آخرين بجراح خطيرة، في هجوم مسلح من مجموعات من المستوطنين، بدعم مباشر من قوات الاحتلال، بإطلاق النار عليهم بشكل مباشر، في اعتداء ميداني يعكس نهج التصفيات المباشرة.
ترسيخ استراتيجية القتل
ويقول المختص جمال جمعة لوكالة "صفا"، في قراءة لمستقبل الأوضاع بالضفة، على وقع مجزرة اليوم، "إن جريمة اليوم لم تكن مجرد حادثة معزولة في سجل الاعتداءات اليومية، بل جاءت كتطور خطير يرسخ استراتيجية القتل المباشر تحت حماية وعين جيش الاحتلال".
ويضيف "هذا التطور يفرض على الشارع الفلسطيني معادلة ميدانية جديدة تعتمد الدفاع الذاتي والاشتباك الشعبي المباشر لحماية الأرض والوجود".
وتزامنت هذه الجريمة مع اقتحامات مكثفة واعتداءات طالت ممتلكات المواطنين وأراضيهم، لتشكل امتداداً لسلوك يهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة المسلحة ونشر الخوف بين الأهالي، لحثهم على ترك قراهم ومزارعهم.
ويشدد جمعة على أن الاعتداءات الاستيطانية، لم تعذ تقتصر على الهجمات التقليدية أو حرق المحاصيل وسرقة المواشي، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تتجسد في الاستيلاء المباشر على المنازل المأهولة داخل القرى، وقضم البلدات بيتاً تلو الآخر.
ويستشهد بما هو حاصل في مناطق أم صفا والمغير وترمسعيا ونابلس، وغيرها من القرى والمدن بشكل يومي.
ويقول "هذا السلوك الإحلالي دفع الشارع الفلسطيني إلى اليقين التام، بأن الحماية لن تتأتى عبر المطالبات الدولية، أو بيانات التنديد والاعتراض الشكلي".
ويستكمل "هذا ما يرى اليقين، بأن تشكيل لجان الحراسة وتصعيد الاشتباك الشعبي أمسا فرض عين ومسألة صمود وجودية لحماية المجتمع الفلسطيني من التهجير".
سيناريوهات أشد قسوة
ويحذر جمعة، من سيناريوهات أشد قسوة إذا لم تُتخذ خطوات حاسمة، موضحاً أن اعتداءات الاحتلال وتطوراتها الخطيرة تشهد تصاعداً مستمراً ومتواصلاً منذ نحو أربع سنوات.
ويؤكد أن استمرار التطورات بهذه الوتيرة سيذهب بالمنطقة إلى ما هو أبعد من ذلك.
يشير جمعة هنا، إلى التحذيرات الدائمة من إمكانية ارتكاب مجازر في القرى الفلسطينية بهدف ترويع المواطنين ودفعهم إلى الرحيل.
ويجزم بأن سلطات الاحتلال ومستوطنيه انتقلوا من عمليات الطرد والغارات وحرق الممتلكات وسرقة المواشي جهاراً نهاراً بإسناد عسكري، إلى مرحلة احتلال المنازل داخل القرى بحماية الجيش.
هذا المخطط ذاته، الذي طُبق سابقاً على التجمعات البدوية من خلال التضييق المتواصل لفرض التهجير القسري، يضع العديد من القرى والأحياء في دائرة الخطر المباشر، وفق جمعة.
وينتقد المختص بشؤون الاستيطان، غياب العقاب والردع، مشدداً على أن رد الفعل الفلسطيني على المستويين الرسمي والقيادي لا يرقى إطلاقاً إلى مستوى هذا الحدث الجلل.
ويحمل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، مسؤولية تاريخية في مواجهة هذا التغول لحماية حياة الشعب الفلسطيني ومستقبله.
ويحذر من أن السكوت عن هذه الجرائم وعدم اتخاذ قرارات حاسمة بشأن العلاقة مع الاحتلال سيفسح المجال لأعمال إجرامية أوسع ومجازر محتملة.
ويضيف أيضًا، أن الاحتلال يتصرف بأريحية تامة ودعم مطلق دون الاكتراث بأي انتقادات دولية لا تمثل له أي رادع، وأن المسؤولية تقع أولاً على عاتق الفلسطينيين لوضع العالم أمام مسؤولياته عبر المواجهة الميدانية.
كما يحذر جمعة، إلى أن الصراع اليوم يتركز على قضية جوهرية تتمثل في صمود الشعب الفلسطيني وبقائه في أرضه وقراه وتجمعاته.
وتأتي مجزرة اليوم، في ظل تصعيد حاد وثقته التقارير الرسمية والحقوقية خلال الأشهر الأخيرة، حيث ارتفع عدد الشهداء الذين قضوا برصاص وهجمات المستوطنين المباشرة في الضفة الغربية إلى أكثر من 16 شهيداً منذ بداية العام الجاري، وفق وزارة الصحة بالضفة.
