تحت غبار الركام المستمر في قطاع غزة، وفي عمق المأساة التي تكابدها محافظة رفح، يبرز الحديث عن مشروع إيواء مؤقت يُشرف عليه ما يسمى "مجلس السلام"، وهو ما يثير علامات استفهام كبرى مثقلة بالشكوك.
ففي الآونة الأخيرة، تحولت وعود الإعمار والازدهار، إلى مخطط لإنشاء "معسكر أو مخيم رفح الجديد"، في المناطق الخاضعة السيطرة قوات الاحتلال وميليشياتها، وتحت إشراف المجلس المذكور.
هذا التحول لم يكن مجرد خطة إغاثية، وفق صحيفة الغارديان البريطانية، بل انحراف جوهري في دور المجلس، إذ تحول من أروقة التخطيط لإعادة الإعمار والتنمية، إلى إدارة مخيم وتجمعات سكنية مؤقتة تحت سيطرة إسرائيلية.
وأثارت تلك المخططات ريبة واسعة حول الأهداف السياسية الكامنة وراء التغيير الطارئ في المسار، وهو ما يجعل النازحين يترقبون هذا التحرك، بحذر شديد.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، ينتظر النازحون في منطقة المواصي وغيرها، بفارغ الصبر العودة إلى ديارهم في رفح، ليواجهوا هذا الخيار الصعب، المحفوف بمخاطر فرض الوصاية والتحكم بمصيرهم.
ويبرز صوت قطاع من النازحين رافضًا فكرة الانتقال إلى المعسكر المقترح جملة وتفصيلاً، مفضلاً تحمل قسوة النزوح الحالي على الدخول في ترتيبات مشبوهة تؤسس لواقع أمني جديد.
"فخ للتحكم بمصيرنا"
ويقول المواطن محمود الكرد، النازح الذي يرقب حدود مدينته من بعيد: "لن ننتقل من خيمة نزوح إلى خيمة وصاية"، فالذهاب إلى هذا المعسكر يعني القبول بالعيش تحت رحمة الاحتلال والإدارة الأمريكية التي تدير مصيرنا عن بُعد".
ويضيف "هذا ليس مخيماً للإيواء، بل هو فخ علني لتثبيت التهجير والسيطرة على تفاصيل حياتنا ويومياتنا، ونحن نرفض العيش تحت حكمهم، ولن نعود إلى رفح إلا أحراراً فوق ركام منازلنا".
وتوافقه النازحة ربا أبو ستة، التي ترى في المعسكر الجديد محاولة لتغييب الإرادة الفلسطينية والتحكم الأمني المطلق بالمواطنين.
وتقول أبو ستة لوكالة "صفا"، إن "العودة حق، لكن العودة إلى معسكر محاط بأسلاك أمنية دولية وإسرائيلية، يعني سجن ونذهب إليه بأرجلنا".
وتتساءل "من هذا العاقل الذي يذهب للنار بقدميه، من أجل لقمة خبز أو طرد هناك؟".
وتتابع "نحن أولاد عز، لن نعيش في معازل تُحدد لنا كيف نعيش، فإما أن نعيش في بيتونا بكرامة أو نبقى هكذا حتى يفرجها الله".
رفض السجن وقبول الإعمار
أما المواطن محمد أحمد عوض، فيلخص هذا الموقف المبدئي الرافض للتحكم الخارجي بقوله: "نقبل بإعمار رفح نعم، لكن أن يقام فيها سجن لنا، فهذا مرفوض".
ويضيف لوكالة "صفا"، أن "القبول بالسكن في هذا المعسكر هو اعتراف بشرعية عودة الاحتلال، لحياتنا ومستقبلنا بعد كل هذا الدمار، وهو فخ مكشوف للتهجير".
وينضم إلى هذا الرفض القاطع المواطن رامي الكرد، وهو رب أسرة استنزفته أشهر النزوح في خيام المواصي، الذي يقول لوكالة "صفا": "نريد العودة لكننا نعلم تماماً أنه يمكن أن يكون فخًا نصبته يد الاحتلال والإدارة الأمريكية للتحكم بمصيرنا، ولن نقبل بفرض أي وصاية علينا".
وتؤكد النازحة ريهام البشيتي ذات الموقف الرافض للتحكم بالقول: "إذا كان فيها تهجير فنحن أوعى منهم، ولدينا ما يكفي لكشف ما يبيّته الاحتلال من خطط للتهجير القسري المغطى بوضعنا الإنساني الصعب".
وفي ذات السياق، يبدي محمد سلامة، النازح بالمواصي والمهدوم بيته في رفح، رفضاً قاطعاً لأي إدارة خارجية، أو تحكم بمصير المواطنين، قائلاً لوكالة "صفا": "لن نكون سببًا في نجاح مشاريع أمريكية أو إسرائيلية تعيد رسم حياتنا، وفقاً لأهوائهم".
ويستدرك "نعود لأرضنا، بشرط، كما كنا، وألا يتحكم بقرارنا أو مصيرنا أحد".
ويحذر إبراهيم عفانة "63 عاماً" من خطورة الخضوع لهذا المخطط، معتبراً إياه "حشرٌ ثانٍ كما نحن الآن في المواصي".
ويقول لوكالة "صفا"، إن: "حشر المواطنين في معازل يسهل السيطرة عليها، أمر مرفوض تماماً، كما في مخيم رفح الموعود".
ويتوج محمود أبو النجا، هذا الإجماع، بالتأكيد على وعي أهالي غزة الذين أفشلوا مخططات التهجير على مدار السنوات الماضية مستهزئاً بالقول: "كان غيرهم أشطر".
ويرفض الغزيون، تحويل قضيتهم، من تحرر وإعمار إلى قضية إغاثة وسجون مفتوحة تحت إشراف دولي، في وقت دمّر فيه الاحتلال ما يزيد عن 80% من بيوت القطاع.
انحراف الدور ووعي الشعب
هذه الفطنة الشعبية تعززها القراءة السياسية للمشهد، حيث يرى المحلل السياسي سليمان بشارات في قراءة تحليلية لهذا التحرك، أن "مجلس السلام الذي تأسس بالأساس للإشراف على خطة ترامب للسلام، ومراقبة مسار الاتفاقيات وتنفيذها، انحرف كليًا عن دوره الإلزامي والأساسي".
ويوضح بشارات لوكالة "صفا"، أن المجلس، بدلاً من الضغط على الاحتلال لتنفيذ المراحل الأولى من الاتفاقيات، بات يتبنى الأهداف الإسرائيلية والرؤية الأمريكية على حساب المصالح الفلسطينية، وإقصاء الدور العربي والإقليمي والوسطاء.
ويؤكد بشارات أن "هذا التحول يضع علامات استفهام كبرى، حول إذا ما كان هذا المجلس سيتحول إلى أداة لتهيئة الأرضية للتحكم الإسرائيلي في قطاع غزة، أو إنتاج نموذج الوصاية أو الانتداب".
ويقول: "هذا الأمر قد يترك الأمور في أي لحظة لقمة سائغة تحت السيطرة الأمنية الكاملة للاحتلال، محولًا ملف الإعمار الضخم إلى مجرد مخيم مصغر أشبه بسجن لترسيخ الواقع الجديد".
ومن وجهة نظره، فإن الحديث عن معازل ومخيمات جديدة على أنقاض جغرافيا جرى مسحها بالكامل، في وقت تعرضت محافظة رفح لتدمير عسكري شامل، يثبت تراجع دور هذا المجلس.
لكنه يشدد على أن الطابع الإنساني والوضع الصعب، قد يدفع مواطنين، خاصة من رفح، للسكن، بحثًا عن أي مأوى لهم، لكن ذلك لن يعني رضوخهم لسياسة الاحتلال أو المجلس.
ويجزم بأن المواطنين على دراية ووعي بمخططات التهجير، التي فشلت على مدار ثلاث سنوات ماضية، من حرب أقيمت لأجل ذلك، تحت صخرة هذا الوعي والصمود لسكان القطاع.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن نسبة تدمير المباني والبنية التحتية في القطاع تجاوزت 80% في معظم المناطق الحضرية، ما بين هدم كلي وجزئي غير صالح للسكن.
وفي ظل هذا الخراب الممتد، يواجه ملف الإعمار جموداً كاملاً وفشلاً، بسبب منع الاحتلال دخول المواد الأساسية وربط عملية البناء بشروط سياسية وتدابير أمنية معقدة، وهو ما يفسر الانزلاق الحالي من وعود بناء المدن وتشغيل العمالة إلى مشاريع بناء معسكرات الخيام.
