كشف تحقيق أعده صحافيان أحدهما إسرائيلي والآخر من الداخل الفلسطيني المحتل، أن ملفات مسربة أثبتت ارتباط منصة "جسور نيوز" بشكل مباشر ووثيق مع الاستخبارات الإسرائيلية وعملها كواجهة إعلامية لتحسين صورة "إسرائيل" في العالم العربي.
وأكد التحقيق الذي أنجزه الصحافيان يوسي بارتال وأمين المغربي ونشره موقع "عرب 48" بالتعاون مع "+972 Magazine"، أن "جسور" قدمت نفسها للجمهور العربي بوصفها صوتًا مستقلًا "يعكس نبض الشارع" بينما كانت في الواقع أداةً ضمن مشروعٍ استخباراتي دعائيّ طويل الأمد، يُموَّل ويُدار من "مركز اتصالات السلام" بالتنسيق مع مؤسسات الاستخبارات الإسرائيلية.
وقال التحقيق إن الهجوم الإسرائيلي على قطاعِ غزّة تسبب، بحلول أيار/ مايو 2024، في أزمة جوع حادة؛ إذ أغلق الجيش الإسرائيلي في جنوب القطاع طرق وصول المساعدات الحيوية. وكان 30% من الرضع في الشمال يعانون من سوء التغذية الحاد، وهي نسبة تضاعفت في غضون أسابيع.
ومع نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين بالفعل، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بأن إمدادات قطاع غزّة من الغذاء والوقود ستنفدان في غضون أيام.
وحذر البرنامج قائلًا: "لم يسبق أن كان خطر المجاعة في قطاع غزّة بهذا القدر من الخطورة".
وأشار التحقيق إلى أن محرر كبير في موقع "جسور نيوز" الناطق باللغة العربية تواصل في الشهر نفسه مع ناشط مناهض لحركة حماس من قطاع غزّة، طالبًا منه لقطات فيديو لمشاهد محددة من الشوارع.
وحسب التحقيق طلبت الجهة الإعلامية لقطات من "أسواق غزة" تُظهر "الفواكه والخضراوات وغيرها من الأطعمة"، بالإضافة إلى "أشخاص يتسوقون لشراء الطعام (بما في ذلك أمهات مع أطفال رضّع يتسوقن الحليب الصناعي أو أغذية الأطفال الأخرى)".
كما طلب المُحرر مقاطع فيديو لأشخاص "يطبخون" و"يأكلون" و"يملؤون دلاء الماء" و"أطفال يلعبون بالماء"، وفقًا لرسائل اطلعت عليها مجلة "+972".
وبرغم تزايد القلق الدولي إزاء الوضع الإنساني المتردي في قطاع غزّة، بدا أن منصة "جسور" تسعى إلى الحصول على لقطات تُظهر عكس ذلك تمامًا، والتي يمكن استخدامها لاحقًا لدحض مزاعم المجاعة الوشيكة (لم يُزوّد المصدر "جسور" بالمواد المطلوبة، ولم يتمكن موقع "+972" من العثور على أي لقطات من هذا القبيل من تلك الفترة على حسابات المنصة) وفق التحقيق.
فقد كشفت تسريبات حديثة من مركز أبحاث أمنية إسرائيلي عن وجود صلة بين الموقع وأجهزة استخبارات إسرائيلية.
كما يُشير تحليل لبنية المنصة والشخصية التي تقف وراءها إلى دور "جسور" ضمن عملية سرية واسعة النطاق وطويلة الأمد، تهدف إلى توجيه الرأي العام في العالم العربي لصالح "إسرائيل" وحلفائها.
غير أنَّ جزءًا كبيرًا من صعود منصة "جسور" وانتشارها تحقق قرب نهاية عام 2025، عندما بدأت في تقديم تقارير منتظمة من داخل أجزاء من قطاع غزّة طهّرها جيش الاحتلال الإسرائيلي من سكانها الفلسطينيين، باستثناء المليشيات المسلحة التي تحيمها الاحتلال ويسلحها.
وأضاف التحقيق: "من المثير للدهشة أن يُسمح لشبكة عربية بالعمل بحرية في منطقة تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي الكاملة، ومحظورة على وسائل الإعلام الفلسطينية والدولية، بل وحتى معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية".
ومع ذلك، فقد بثّت هذه الشبكة بانتظام، على مدار العام الماضي، وفق التحقيق، لقطات حصرية من المنطقة التي باتت تُعرف باسم "رفح الشرقية"، معقل "القوات الشعبية" (المعروفة باسم جماعة أبو شباب).
ويُظهر الفيديو الأكثر مشاهدة على قناة "جسور" على "يوتيوب" جولةً قام بها زعيم الجماعة الحالي، غسان الدهيني، في المنطقة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
الشراكات الحقيقية وراء الكواليس
وحسب التحقيق، سرَّب، على مدى العامين الماضيين، قراصنة يُفترض ارتباطهم بالمخابرات الإيرانية ملايين الملفات والمراسلات علنًا من صناديق البريد الإلكتروني للسياسيين الإسرائيليين، والوزارات والمؤسسات والمنظمات البارزة الأخرى.
إحدى عمليات الاختراق الأخيرة هذه، والتي أصبحت متاحة للصحافيين عبر المجموعة غير الربحية المُخصصة الباحثين والصحفيين "Distributed Denial of Secrets"، استهدفت مركز الأبحاث الأمنية الأبرز في "إسرائيل"، وهو معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، الذي يتعاون عن قرب مع مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي والذي يضم الموساد، والشين بيت (الشاباك)، ومديرية الاستخبارات العسكرية، وغالبًا ما يأتيه الباحثون مباشرة من صفوف المؤسسات أعلاه.
يدير المعهد برنامجًا بحثيًا حول ما يسميه "المحور الشيعي"، الذي يضم إيران وحلفاءها، بمن فيهم حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، ونظام الأسد في سورية قبل انهياره.
ومن بين آلاف الملفات والرسائل المسربة من هذا البرنامج، ظهرت أدلة تشير إلى الجهة التي تقف وراء "جسور" ومهمتها الحقيقية.
دُعي أعضاء فريق البرنامج في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 عبر بريد إلكتروني إلى اجتماع عبر تطبيق "زووم" مع جوزيف براود (Joseph Braude).
وعرّف البريد الإلكتروني براود بأنه مؤسس مركز اتصالات السلام (Center for Peace Communications)، الذي يهدف عمله، كما جاء فيه، إلى "مكافحة الخطابات المتطرفة في الشرق الأوسط".
ولتحقيق ذلك، كما جاء في البريد الإلكتروني، يستخدم مركز اتصالات السلام منصات إعلامية لتحدي هذه الروايات، وتشغيل محطات بث في مناطق حساسة مثل سورية، بهدف التأثير في السكان المحليين، مضيفًا أن براود: "يسعى إلى إقامة شراكات مع جهات أمنية وسياسية في إسرائيل لدعم أنشطة مركز اتصالات السلام".
وتزعم رسالة مسربة أخرى أن المركز يهدف إلى: "إدارة حملات توعية إبداعية ضد أعداء "إسرائيل"، مع التركيز مؤخرًا على حماس وحزب الله".
وبرغم عدم ظهور أي بروتوكول من الاجتماع في التسريب، إلا أن وثيقة أُخرى تفصّل أنشطة البرنامج تصف النتيجة على النحو التالي: "جرى ربط جوزيف براود بالمصادر ذات الصلة في المؤسسة الاستخباراتية"، من أجل دعم عمل المركز "لتعزيز الفكر المؤيد للغرب والمؤيد لإسرائيل في دول المحور [الشيعية]".
ولم تُحدد أسماء المنصات التي يستخدمها المركز للترويج لـ"الفكر المؤيد لإسرائيل". ومع ذلك، تشير وثيقة مسربة أخرى من اختراق جهاز معهد دراسات الأمن القومي إلى أن منصة "جسور" هي الأداة الرئيسة لهذا المشروع
ونشر براود في عام 2019 كتابًا مع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، بعنوان: "الاستعادة: سياسة ثقافية لشراكة عربية إسرائيلية" (Reclamation: A Cultural Policy for Arab-Israeli Partnership)، والذي يوصف على غلافه الخلفي بأنه "الخطوة الأولى في إنشاء مركز اتصالات السلام"، ويقترح فيه "حملة مستدامة لاستعادة الفضاء الثقافي للمنطقة لأنصار الشراكة العربية الإسرائيلية" من خلال "مجموعات عمل".
ويُقدّم الكتاب، على مدى 160 صفحة، خطةً لحملة دعائية واسعة النطاق، مستوحاة من وكالة الإعلام الأميركية (United States Information Agency) التي أُغلقت في وقت سابق، تُنفّذ بالتعاون مع الأنظمة الاستبدادية وأجهزتها الأمنية.
ويقترح براود أن بإمكان الحكومتين الأميركية والإسرائيلية اتباع هذه الإستراتيجية منهجيًا، مع "تقديم الدعم والتواصل مع الجهات الفاعلة غير الحكومية العاملة في هذا المجال بالفعل".
وبدأ مركز اتصالات السلام في عام 2023 التعاون مع منصة "الصحافة الحُرة" (The Free Press) الإعلامية الأميركية اليمينية، المؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومنذ ذلك الحين، شارك المركز في إنتاج عشرات المقالات للصحيفة حول قطاع غزّة وسورية ولبنان، بما في ذلك فيديو تعريفي متعاطف إلى حد كبير مع ياسر أبو شباب، قائد المليشيا المسلحة شرق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة الذي قتل العام الماضي.
ويشرح براود نفسه في ذلك الفيديو، إذ يشغل دورًا ما بين الخبير والمتحدث باسم أبو شباب، كيف أن "وجود ميليشيا معادية لحماس عداءً صريحًا داخل قطاع غزّة يمثل تهديدًا مباشرًا لادعاء حماس بأنها الهيئة الحاكمة الوحيدة في القطاع"، ويقدم المجموعة على أنها "تجربة سياسية جادة في الحكم الذاتي لقطاع غزّة ما بعد حماس".
حتى أن مركز اتصالات السلام حاول، وإن لم ينجح، العام الماضي إقامة اتصال بين أبو شباب وبرلمانيين ألمان، مما يؤكد دور براود بوصفه مسؤول علاقات عامة غير رسمي للميليشيا.
وبينما يعمل براود ومركز اتصالات السلام على تعزيز مكانة ميليشيات غزة المؤيدة لـ"إسرائيل" والمعادية لحماس في الغرب، تقوم "جسور" بحملة علاقات عامة مماثلة في العالم العربي.
نشرت المنصة في الأشهر الأخيرة مقابلات حصرية ولقطات فيديو لقادة ميليشيات آخرين في قطاع غزّة، تتلقى عصاباتهم مساعدات ودعمًا عسكريًا من "إسرائيل"، بمن فيهم شوقي أبو نصيرة وحسام الأسطل (وقد وصفت "جسور" في بعض الأحيان الأخير بأنه "منسق منطقة إنسانية" أو "منسق منطقة آمنة"، معتمدة بذلك المصطلحات الإسرائيلية للمناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات).
وبرغم أن معظم ما ينشره براود ومركز اتصالات السلام على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن لقطات جمعتها "جسور"، إلا أن عمق العلاقة بينهما واضح للعيان.
وتُظهر سجلات الشفافية على صفحة "جسور" على "فيسبوك" أن الحساب أُنشئ في الأصل عام 2019 تحت اسم المجلس العربي للتكامل الإقليمي (Arab Council for Regional Integration)، والذي كان أول مبادرة كبرى لمركز اتصالات السلام. (لم يُغير الحساب اسمه إلى "جسور نيوز" إلا في آذار/ مارس 2024).
ولم يعد المجلس العربي نشطًا، بل أصبح منسيًا إلى حد كبير، وكان يتألف من 35 شخصية عامة، وقد انتقد جهود حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) فيما ساهم في وضع الأسس للاتفاقيات الإبراهيمية.
وبرغم صغر حجمه، فقد كان يتمتع بنفوذ في الأوساط السياسية المؤثرة: ففي أواخر عام 2019، أشاد وزير الخارجية الأميركي آنذاك، مايك بومبيو، علنًا بالمجلس لترويجه "رؤية إقليمية للسلام والتعايش"؛ وفي رسالة مصورة نُشرت في آب/ أغسطس التالي (2020) على قناة المجلس على "يوتيوب"، هنّأ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، المجلس على اجتماعه الافتتاحي.
وتعمل رئيسة تحرير منصة "جسور"، هديل عويس، مباشرة لدى مركز اتصالات السلام، الذي يصفها على موقعه الإلكتروني بأنها "تقود الاتصالات العربية نيابة عن المركز". وهي في الأصل من سورية وتقيم الآن في الولايات المتحدة، وقد برزت في المجال العام تحت اسم هديل كوكي مع بداية الانتفاضة السورية عام 2011، حينها كانت طالبة تبلغ من العمر 19 عامًا، وظهرت في وسائل الإعلام العربية والدولية منتقدة نظام الأسد.
وفي عام 2012، وبينما كانت لا تزال تستخدم اسم كوكي، دعتها منظمة "يو إن ووتش" (UN Watch) المؤيدة لـ"إسرائيل"، ومقرها جنيف، إلى مؤتمر شاركت في تنظيمه، بالإضافة إلى اجتماع لمجلس حقوق الإنسان.
ومن هناك، وفقًا لسيرة عويس المنشورة على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، التقت بوفد أميركي ساعدها في الانتقال إلى الولايات المتحدة.
من أحدث مشاريع عويس برنامج أسبوعي على منصة "الجنوب اليوم"، الإعلامية التي أُطلقت حديثًا.
وتُعنى هذه المنصة الإلكترونية بتغطية جنوبي اليمن، وهي منطقة ذات أهمية إستراتيجية برزت فيها مؤخرًا حركات انفصالية مدعومة من الإمارات العربية المتحدة، وأبدت استعدادها للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية.
تضمنت الحلقة الأولى من برنامج "النافذة الأميركية"، الذي تقدمه عويس، مقابلة مع مدير سابق في وزارة الدفاع الأميركية حول "وكلاء إيران". (لم يُجب براود وعويس على الاستفسارات المتعلقة بما إذا كانت هذه المنصة اليمنية الجديدة مرتبطة بمنصة "جسور" ومركز اتصالات السلام).
