web site counter

1000 يوم من الإبادة.. هكذا فكك الاحتلال شرايين الحياة الصحية في غزة

1000 يوم من الإبادة.. هكذا فكك الاحتلال شرايين الحياة الصحية في غزة
غزة - خــاص صفا

في وقتٍ تتجاوز فيه حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة حاجز الألف يوم، لا تبدو المشافي والمراكز الطبية مجرد جهات لاستقبال الجرحى، بل أهدافًا رئيسية ومباشرة في صلب الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.

"إسرائيل"، وطوال 1000 يوم من الإبادة التي تشنها منذ أكتوبر 2023، هندست بعناية عملية تفكيك ممنهجة للمنظومة الصحية وطمس معالمها بالكامل.

وفي إحاطة خاصة لوكالة "صفا"، تكشف وزارة الصحة بغزة أرقامًا وبيانات صادمة، لتزيح الستار عن واقع طبي لم يعد يعاني من العجز أو النقص الطبيعي، بل انتقل إلى طور الإنهاك الكلي والشلل المتعمد، محوّلًا غزة إلى بيئة غير قابلة للحياة الطبية.

تصفية الكوادر والعقول

ويجزم مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة، زاهر الوحيدي، في حديث لوكالة "صفا"، بأن الضربة الأكثر عمقًا وفداحةً التي وجهها جيش الاحتلال للمنظومة الصحية تمثلت في تصفية واستنزاف العقول والكوادر البشرية.

ويقول: "تعمدت آلة الحرب استهداف وقتل أكثر من 1,700 كادر طبي من النخب المتخصصة طوال الألف يوم الماضية.

ولم تتوقف الهجمة عند القتل المباشر، بل امتدت لتشمل عمليات اعتقال واختطاف ممنهجة طالت 390 ممارسًا صحيًا، لا يزال 84 منهم يقبعون في غياهب السجون والاعتقال حتى اللحظة".

ويوضح أن من بين المعتقلين، 16 طبيبًا و35 ممرضًا وحكيمًا، فيما اضطر- تحت وطأة هذا الاستهداف المباشر وقسوة الظروف المعيشية- أكثر من 900 كادر طبي لمغادرة القطاع، مما أفرغ المستشفيات من تخصصات نادرة وخلق فجوة بشرية، لا يمكن تعويضها على المدى القريب.

استنزاف المباني

ويشدد على أن هذا الاستنزاف البشري توازى مع مسح جغرافي للمنشآت الطبية على امتداد القطاع، مضيفًا أنه من أصل 38 مستشفى كانت تشكل العمود الفقري للخدمات الطبية قبل الحرب، أخرج الاحتلال معظمها عن الخدمة، ولم يتبق منها سوى 19 مستشفى حكوميًا فقط.

ويؤكد أن المشافي الموجودة تعمل بالحد الأدنى وفي ظروف تشغيلية بالغة الحرج.

ورغم المحاولات الإغاثية لإنشاء تسعة مستشفيات ميدانية خلال فترات الحرب، إلا أنها بقيت قاصرة عن تلبية الاحتياجات الهائلة وتقدم خدمات محدودة للغاية، ولا سيما أن غزة كانت تواجه شحًا في عدد المستشفيات مقارنة بالكثافة السكانية قبل الحرب، وفق الوحيدي.

ولم تكن مراكز الرعاية الأولية أوفر حظًا، ويقول الوحيدي: "إن الاحتلال أخرج عن الخدمة 64 مركزًا صحيًا، خلال الألف يوم من الإبادة، بينهم 55 دمّرها بالكامل، لينخفض عدد المراكز العاملة من 158 إلى 94 فقط".

ويشير إلى أنه خلال ذروة العمليات العسكرية، انكمش العمل الطبي ليقتصر على تسعة مراكز فقط في أحسن الأحوال على مستوى القطاع، قبل أن تتمكن الطواقم بجهود ذاتية ومضنية من إعادة الروح إلى 24 مركزًا.

وفي السياق، صوّب الاحتلال نيرانه نحو عصب الخدمات الطبية للاجئين التي تقدمها وكالة "أونروا"، فمن أصل 24 مركزًا كانت منتشرة في المخيمات، تم تدمير واستهداف معظمها، ليتراجع العدد إلى عشرة مراكز فقط تعمل بالحد الأدنى، حسب الوحيدي.

ويكمل: "هذا بعد أن اقتصر عمل الوكالة طوال أشهر الحرب على ثلاثة مراكز رعاية أولية فقط نتيجة الدمار الشامل".

تدمير تكنولوجي

ولم يكن إنهاك المنظومة الطبية مقتصرًا على قصف الجدران واغتيال الطواقم، بل جرى تدميرها تكنولوجيًا ووظيفيًا عبر الحصار المطبق.

وفي هذا الإطار، يقول الوحيدي: "وصلت نسبة العجز في الأدوية والمواد المخبرية الأساسية إلى 84%، وهي نسبة غير مسبوقة، تسببت في توقف فوري لعدد من العمليات الجراحية الحساسة".

وينوه إلى أنه وصل الأمر بالأطباء، نتيجة نفاد المواد التشخيصية والمستهلكات، إلى كتابة الوصفات الطبية "الروشتات" بناءً على التقدير السريري، ودون إجراء تحاليل مخبرية مناسبة، مما يعيق التشخيص الدقيق للحالات المرضية.

ويلفت الوحيدي إلى أن 22% من الأجهزة المخبرية المتبقية شُلّت تمامًا عن العمل نتيجة غياب المواد الصبغية ومواد التشغيل ومنع الاحتلال دخول قطع الغيار اللازمة للصيانة، فضلًا عن تدمير 54% من الأجهزة المخبرية بالكامل تحت ركام المنشآت المستهدفة.

وفي قطاع الأشعة، محا الاحتلال التكنولوجيا الطبية بتدمير 11 جهاز تصوير مقطعي (CT) من أصل 17 جهازًا كانت تخدم أكثر من مليوني مواطن قبل الحرب، لتبقى ستة أجهزة فقط تعمل بضغط يفوق طاقة استيعابها ومعرضة للعطل التام، كما يؤكد الوحيدي.

ويقول: "انعدمت أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) تمامًا من قطاع غزة، إثر القصف الذي طال المستشفيات الحكومية والأهلية التي كانت تحتضن هذه التقنيات".

النيل من الفئات الهشة

هذا التدمير المخطط للمنظومة الطبية، جاء بالتزامن مع حرب التجويع واستهداف المدنيين التي خلفت أكثر من 73,090 شهيدًا و173,553 مصابًا، واستزفت كل الموارد الطبية.

ويقول الوحيدي: "إن 20 ألف طفل و16 ألف سيدة من بين الشهداء الذين ارتقوا خلال الألف يوم، وهو ما أحدث هزة بنيوية وعميقة في التركيبة الديمغرافية والصحية للفئات الأكثر هشاشة كالأمهات والأطفال".

ويذكر أن وزارة الصحة سجلت إصابة 110 آلاف طفل بأمراض سوء التغذية الحاد والمتوسط، ارتقى منهم 164 طفلًا حتى اليوم، في حين يواجه 18 ألف طفل خطر الموت الفعلي حاليًا تحت وطأة ذات المرض.

وعلى صعيد النساء، أظهرت الفحوصات الطبية أن 57% من السيدات اللواتي خضعن للمعاينة يعانين من فقر الدم الحاد وسوء التغذية الناتج عن تلوث المياه وغياب الغذاء الصحي.

ويشدد الوحيدي على أن هذا الواقع النسوي أدى بشكل مباشر إلى ارتفاع جنوني في معدلات الإجهاض، والتشوهات الخلقية، والولادات المبكرة، مبينًا أن الطواقم الطبية وثقت نحو 460 حالة إجهاض، وهو عدد يمثل 47% من معدلات الولادة اليومية في القطاع.

وبفعل هذه الظروف القاسية من نزوح وقصف وجوع، تراجعت معدلات الولادة اليومية بشكل غير مسبوق في تاريخ غزة، فبعد أن كان القطاع يسجل ما متوسطه 4,000 مولود جديد يوميًا قبل الحرب، هبط هذا الرقم طوال الألف يوم الماضية ليصل اليوم إلى 2,038 ولادةً فقط.

وبحسب الوحيدي، فإن قطاع غزة بذلك يسجل أدنى معدل نمو سكاني ومواليد منذ عقود، في مؤشر واضح على أن حرب الإبادة لا تستهدف الحاضر فحسب، بل تستهدف معالم المستقبل الفلسطيني في غزة.

ر ب/أ ج

/ تعليق عبر الفيس بوك