web site counter

95‎%‎ من المعاملات بـ"التطبيق"

"التشفير القسري".. غزة بلا "كاش" والهواتف الذكية تتحول لشريان حياة

غزة - خاص صفا

"بأمر الحرب.. نقبل العملة التالفة والممزقة"، لافتة صغيرة خطّها بائع على عربة يجرها حمار بأحد أسواق قطاع غزة، ينادي بأعلى صوته لعله يظفر ببضعة ورقات بالية، يجري بها معاملة يستربح منها، في وقت اختفت العملات، حتى الصالح منها، بنسبة تتجاوز ال95‎%‎. 

هذا المشهد، الذي كان حتى وقت قريب ضرباً من الخيال الاقتصادي، يلخص واقعاً استثنائياً تعيشه غزة، حيث لم يعد اختفاء "الكاش" مجرد نقص سيولة، بل تحول لأصل نادر وعملة عزيزة، اختفت معها حتى الأوراق التالفة، التي كان يتداولها السكان على مضض.

جفاف هيكلي واختفاء تام للكاش

مع استمرار الحرب الدائرة في قطاع غزة، برزت أزمة السيولة النقدية كواحدة من أعقد الأزمات الهيكلية التي تضرب القطاع المالي، نتيجة لعدم دخول أي دفعات نقدية جديدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي يفرض قيوداً مشددة على القطاع المصرفي.

الكتلة النقدية المتاحة في السوق تآكلت تدريجياً، وما يخرج من القطاع لا يدخل غيره، مما أدى بحسب المختص الاقتصادي ورئيس جمعية رجال الأعمال، علي الحايك، بوصول نسبة السيولة النقدية عند بدء السحب ببدايات الحرب إلى نحو 50%.

يقول الحايك لوكالة "صفا"، إنه وسط العمولات والخصومات التي فرضها وسطاء لتوفير الكاش، وما يُعرف مالياً بـ "علاوة السيولة"، ومع منع دخول العملة، وصلت غزة اليوم لتشويه كامل في السوق النقدية.

ويرى المحلل الاقتصادي ومدير عام غرفة تجارة وصناعة غزة، ماهر الطباع، أن هذا الاختفاء شبه التام، يعكس تعطلاً كاملاً لوظائف النقود الأساسية كوسيط للتبادل ومخزن للقيمة. 

ويؤكد الطباع لوكالة "صفا"، أن الأزمة في غزة هي "أزمة سيولة نقدية" وليست أزمة أموال، فالأرصدة موجودة إلكترونياً ودفترياً داخل الحسابات المصرفية، لكن الفجوة تكمن في استحالة تحويلها إلى "كاش" فعلي ملموس.

ثورة رقمية قسرية

هذا التشوه الهيكلي وضع الغزيين أمام خيار وحيد: "التحول الرقمي الإجباري"، وفي ظل انعدام الخيارات، قفزت المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع الرقمي عبر الهواتف الذكية لتغطي ما نسبته 95% من إجمالي المعاملات التجارية واليومية داخل القطاع. 

وحسب الطباع والحايك، فلم يعد للمحفظة التقليدية في جيوب المواطنين مكان، واستُبدلت بمحفظة رقمية مشحونة على شاشة الهاتف، تُشترى بها السلع الأساسية وصولاً إلى أبسط الاحتياجات اليومية.

ويوضح الطباع أن سكان غزة أظهروا مرونة استثنائية وقدرة عالية على التكيف مع هذه الموجة الرقمية، إلا أنه ينبه إلى أن هذا التحول جاء "وليد الضرورة والاضطرار"، لا نتيجة خطة اقتصادية مؤسسية مدروسة. 

هذا الانتقال القسري جعل قطاع غزة يتجاوز دولاً متقدمة بمراحل في نسب الاعتماد على الدفع الإلكتروني، لكنه عبور محفوف بالمخاطر والتحديات، يقول الطباع.

بنية متهالكة وتحديات

ويؤكد الطباع أن خلف ستار هذا التطور الرقمي المفاجئ، تقبع تحديات لوجستية معقدة، مضيفًا "البنية التحتية لشبكات الاتصالات والإنترنت متهالكة وتتعرض لانقطاعات مستمرة جراء الاستهداف المستمر، فضلاً عن أزمة انقطاع التيار الكهربائي المزمنة".

ووفقاً للمختص الطباع، فإن أي عطل في هذه الأنظمة الإلكترونية أو شبكات الاتصال يهدد بشلل كامل للنشاط الاقتصادي المتبقي في غزة.

علاوة على ذلك، يقول الحايك، إن اختفاء "الكاش"، أدو إلى بروز نظام مزدوج للأسعار تختلف فيه قيمة السلعة بحسب طريقة الدفع (كاش أو ديجيتال)، وهو ما يضرب شفافية الأسعار في مقتل. 

كما تسبب هذا الوضع في استقطاع جزء من دخول الأسر لتمويل عمولات الحصول على النقد، مما أضعف القدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين، وفق الحايك.

ويؤكد أن هذا الواقع ضاعف الأعباء التشغيلية على التجار والمنشآت الصغيرة، متسبباً في اتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي والأسواق الموازية.

ويستخلص المختصان، أن الاعتماد على الهواتف والمحافظ الإلكترونية في غزة شكل "طوق نجاة" مؤقت، لاستمرار الحد الأدنى من المعاملات التجارية، لكنه لا يلغي حقيقة أن غياب العملة الورقية يمثل تشوهاً عميقاً في جسد الاقتصاد المنهك.

ويشددان على أن هذا مما يجعل التدخل المؤسسي أو إيجاد بدائل دولية آمنة ومستقرة لضمان تدفق النقد، حاجة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاستقرار المالي في القطاع.

ر ب

/ تعليق عبر الفيس بوك