لم تكد جراح عائلة الزميل الراحل محمد وشاح، مصور قناة "الجزيرة"، تندمل، ولم تجف بعد دموع زملائه الصحفيين الذين بكوا شجاعته وبسالته في الميدان، حتى باغتت غارات الاحتلال العائلة بطعنة غادرة جديدة.
الغارة استهدفت هذه المرة مصور قناة "الجزيرة مباشر"، أحمد وشاح، ليلحق بأخيه محمد شهيداً في مشهد يجسد ذروة المأساة التي تعيشها الطواقم الإعلامية وعائلاتهم في قطاع غزة.
وتعود فصول هذه التضحية الممتدة إلى نحو سبعين يوماً مضت، حين استُشهد مصور "الجزيرة" محمد وشاح إثر استهداف إسرائيلي غادر، مسجلاً اسمه في لوحة شرف الصحافة الفلسطينية بعد تغطيات ميدانية شجاعة.
واليوم، وبعد رحلة قصيرة من الصبر والاحتساب وفخر أحمد الدائم بشقيقه الراحل، امتدت يد الاستهداف مجدداً لتخطفه، إثر قصف إسرائيلي غادر استهدف شقة سكنية في مخيم البريج وسط قطاع غزة، ليلتقي الأخوان في قوافل الشهداء.
وبارتقاء أحمد تتجرع العائلة المكلومة فصلاً جديداً من فصول الفقد المزدوج والوجع المفتوح.
هذا الفقد المروع أحدث هزة في أوساط الصحفيين وعائلة الشهيد، الذين عبروا عن صدمتهم البالغة من هذا الاستهداف الممنهج، الذي بات يلاحق بيوت الصحفيين وعائلاتهم كنوع من الانتقام والترهيب.
وكان أحمد قد خطّ كلماته الأخيرة على صفحته قبل ساعات قليلة من ارتقائه كوداع أخير يعكس شوقه الدفين قائلاً: "شوقي إلى دار الخلود الباقية"، لتكون الروح قد استبقت اللقاء وتوقعت الرحيل قبل الشظايا.
صرخته لفقدان محمد
وينعى الصحفي محمود هنية، الزميل أحمد، بكلمات، قال فيها "إن أحمد لحق بزينة الشباب، وأدعوا الله أن يتقبله دنيا وآخرة في جنة تليق به وبهم ولا تليق بهذه الدنيا العابرة".
وفي رثاء آخر، يستذكر الصحفي إسماعيل أبو عمر، الصرخة النابعة من أعماق القلب التي أطلقها أحمد في وداع شقيقه محمد.
يقول "تمنيتَ يومها أن تجتمع به، واليوم ترتقي إلى العلا محققاً أمنيتك باللقاء".
يضيف "يوم صرخ أحمد برحيل محمد، شعر الجميع وقتها بأن قلبه يوشك أن ينفلق من صدره فرط الوجع والاشتياق".
ويعبر المصور الصحفي محمد سلامة عن هول الفاجعة على الأخوين اللذين يلتقيان من جديد بعيداً عن قسوة هذه الأرض وضجيجها وقريباً من رحمة الله.
يقول "ذكراهما ستبقى كوجهين نقيين وروحين جميلتين تركتا في الحياة أثراً أكبر من العمر نفسه، حيث لا فراق بعد اليوم ولا شوق يثقل القلب ولا دمعة وداع".
وينعى المصور "أبو الأمير"، الزميل أحمد وشاح، قائلاً "اليوم تلتقي بمحمد، رحمكما الله".
وعبر الناشط حامد الجراري، عن غضبه على إجرام الاحتلال، وكتب "لقد بلغت الحناجر ولم يبق موضع للصبر، الله ينتقم من المجرمين الذين تجبروا في البلاد وقتلوا المستضعفين الأبرياء، وأن يكون في عون عباده المستضعفين".
الناشط محمد خلف، نعى وشاح، بالقول "هذه المأساة تلاحق العائلات الصحفية في تفاصيلها كافة، واصفاً رحيل أحمد بأنه استمرار لضريبة الدم التي تدفعها عائلة وشاح.
وأكد الصحفي وائل الدحدوح، تضامنه الكامل مع العائلة المكلومة، مشدداً على أن استهداف الأشقاء وعائلات الطواقم الإعلامية يمثل محاولة بائسة لكسر إرادة الصحفيين الفلسطينيين الذين يواصلون الليل بالنهار لنقل الحقيقة.
وتوشح ممر مستشفى شهداء الأقصى بجموح الحزن وقهر الفقد، حيث تداعى الزملاء الصحفيون والمصورون يذرفون الدموع فوق جثمان رفيقهم وشاح، مستذكرين روحه الطاهرة وصبره الممتد منذ رحيل شقيقه محمد.
الصحفي محمد قاعود، قال "لم يكتفِ الاحتلال باغتيال الصحفي محمد وشاح، فعاد ليُكمل الجريمة باغتيال شقيقه أحمد أيضاً"، مضيفًا "كانا يسيران في الطريق ذاته، ويؤمنان أن نقل الحقيقة يستحق كل هذا العناء".
ويستدرك بحرقة "لكن الاحتلال الذي ضاق بالصوت، قرر أن يطارد أصحابه واحدا تلو الآخر".
ومشيرًا لصور من تواجدهما في العمل الصحفي معًا، تابع " هذه الصورة يقف الشقيقان جنبًا إلى جنب، لا يعلمان أن الاحتلال سيحوّل هذا المشهد العادي إلى ذكرى موجعة، وأن الكاميرا التي وثّقت معاناة الناس ستصبح شاهدًا على فقدهما معاً".
وقتلت "إسرائيل"، 262 صحفيًا منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
