كشف تحليل عن تصاعد المخاوف داخل الأوساط الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية من تداعيات الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، محذرة من أن الخطر الأكبر الذي تواجهه "إسرائيل" لا يكمن فقط في التحديات العسكرية الخارجية، بل في استمرار الحرب دون أهداف استراتيجية قابلة للتحقيق، وما يرافق ذلك من استنزاف متزايد للقدرات البشرية والاقتصادية والاجتماعية للكيان.
وجاءت هذه التحذيرات في دراسة بعنوان "الراية السوداء التي ترفرف فوق الرايات الحمراء لرئيس الأركان"، أعدها العقيد احتياط الإسرائيلي غور ليش، ونشرها مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية في الثالث من حزيران/يونيو 2026.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة لكونها صادرة عن ضابط شغل مناصب مؤثرة في مجالات التخطيط العسكري وصياغة مفاهيم الأمن الإسرائيلي، ما يجعلها أقرب إلى مراجعة نقدية من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن مسار الحرب الحالية وتداعياتها المستقبلية.
واستند ليش في دراسته إلى تصريح لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي خلال اجتماع حكومي، حذر فيه من أن "قوات الاحتياط لن تصمد"، مشيراً إلى أنه يرفع "عشرة أعلام حمراء" بشأن الوضع القائم.
إلا أن الباحث يرى أن المشكلة الحقيقية تتجاوز أزمة القوى البشرية، معتبراً أن هناك "راية سوداء" أخطر ترفرف فوق المؤسسة العسكرية بأكملها، تتمثل في مواصلة الحرب دون تحديد أهداف واقعية يمكن تحقيقها، أو وضع إطار زمني واضح لإنهائها، أو تقدير فعلي للكلفة المترتبة عليها.
وبحسب الدراسة، فإن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بتراجع جاهزية قوات الاحتياط أو النقص في أعداد المقاتلين، بل تعكس فقداناً للبوصلة الاستراتيجية.
فبدلاً من تحديد ما يمكن تحقيقه بالموارد المتاحة، باتت المؤسسة العسكرية تطالب بالمزيد من الجنود والإمكانات لمواصلة حرب مفتوحة لا تمتلك تصوراً واضحاً لنهايتها أو لكيفية تحويل إنجازاتها العسكرية إلى واقع سياسي أو أمني مستقر.
وأشار الباحث إلى أن "إسرائيل" انتقلت بعد عملية السابع من أكتوبر من "وهم الردع" إلى "وهم النصر المطلق"، موضحاً أن الصدمة التي أحدثها الهجوم دفعت القيادة السياسية والعسكرية إلى تبني أهداف واسعة وغير قابلة للتحقيق، من بينها القضاء الكامل على الخصوم أو إزالة التهديدات بصورة نهائية، وهي أهداف يرى أنها لا تنسجم مع طبيعة الصراعات غير المتماثلة التي تخوضها "إسرائيل" ضد حركات المقاومة في فلسطين ولبنان.
كما انتقد ليش ما وصفه بـ"أسطورة الزمن والموارد غير المحدودة"، معتبراً أن الحرب تُدار وكأن الكيان يمتلك قدرة لا نهائية على تعبئة قوات الاحتياط وتحمل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على استمرار العمليات العسكرية.
وأكد أن الواقع يشير إلى تصاعد ما سماه "النزيف متعدد المجالات"، الذي يشمل خسائر بشرية متراكمة، واستنزافاً متزايداً للقدرات العسكرية، وتراجعاً اقتصادياً، وتعطلاً للحياة الطبيعية في مناطق واسعة، لا سيما في شمال الكيان.
وتوقفت الدراسة عند التأثيرات المتزايدة للحرب على نموذج "جيش الشعب" الذي قامت عليه العقيدة العسكرية الإسرائيلية لعقود طويلة.
وأوضح الباحث أن جنود الاحتياط يشكلون في الوقت نفسه العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، كونهم أصحاب أعمال وموظفين وطلاباً وآباءً، الأمر الذي يجعل استمرار استدعائهم لفترات طويلة عاملاً يهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي للدولة ويقوض قدرتها على تجديد قوتها العسكرية مستقبلاً.
وفي سياق متصل، استعرض ليش التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن الإسرائيلي، مشيراً إلى أن العقيدة الأمنية التقليدية التي وضع أسسها دافيد بن غوريون كانت تقوم على خوض حروب قصيرة وسريعة بهدف تقليل الأعباء على الاقتصاد والمجتمع، بينما تتجه "إسرائيل" اليوم نحو نموذج مختلف يقوم على حروب طويلة الأمد تستنزف الموارد البشرية والمالية بصورة مستمرة، وهو ما اعتبره تهديداً استراتيجياً قد يفوق في خطورته التهديدات الخارجية.
وفي ما يتعلق بالجبهة اللبنانية، وجه الباحث انتقادات للدعوات المطالبة بإنشاء حزام أمني جديد داخل جنوب لبنان أو العمل على تفكيك حزب الله بشكل كامل، معتبراً أن هذه الطروحات تعيد إنتاج أخطاء سابقة ارتكبتها "إسرائيل" خلال فترة احتلالها للجنوب اللبناني.
وأوضح أن أي سيطرة طويلة الأمد على أراضٍ داخل لبنان ستتطلب نشر قوات كبيرة لسنوات عديدة، ما سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف البشري والاقتصادي والسياسي دون ضمان إزالة التهديدات الأمنية بصورة نهائية.
وأضاف أن الوجود العسكري الدائم داخل الأراضي اللبنانية قد يحول الجيش إلى عامل يكرس المشكلة بدلاً من حلها.
ودعا الباحث، بدلاً من ذلك، إلى اعتماد مقاربة دفاعية محدودة تقوم على العوائق الهندسية والتكنولوجيا المتقدمة والمراقبة النارية من داخل الأراضي الإسرائيلية، من دون الانخراط في احتلال طويل الأمد أو إدارة مباشرة للمناطق الحدودية.
وخلصت الدراسة إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه "إسرائيل" لا يتمثل فقط في قوة خصومها، وإنما في قدرتها على إدارة الصراع ضمن حدود مواردها وإمكاناتها الفعلية.
وحذر الباحث من أن استمرار نهج "الحرب بلا نهاية" قد يؤدي إلى إنهاك الدولة من الداخل، وتقويض عناصر القوة التي استندت إليها منذ تأسيسها.
وتعكس الدراسة، بحسب مراقبين، تنامياً في النقاشات داخل بعض الدوائر الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية حول جدوى الحروب المفتوحة وتداعياتها بعيدة المدى، كما تمثل مؤشراً على تزايد المخاوف من أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها قد لا يكون كافياً لتحقيق الاستقرار أو ما تصفه القيادة الإسرائيلية بـ"النصر المطلق".
