لم تكن ليلة البارحة في خانيونس كأي ليلة، ولم يكن الفجر يحمل خيوط الشمس العادية، بل كان يحمل رثاء لعريس لن يلتقي بعروسه، وبيتٍ تحول إلى ركام قبل أن يُضاء بأنوار الفرح.
الشهيد مهند عثمان فروانة "25 عاما"، الشاب الذي انتظر ليلة زفافه كأي شاب يحلم بمستقبل هادئ، طالته صواريخ طائرات الاحتلال في قصف غادر استهدف بيتًا في خانيونس، ليتغير مجرى القدر تماماً.
فبينما كانت العائلة والرفاق يستعدون لزفافه اليوم، ستزفه مدينته الحزينة، بأكملها شهيداً إلى السماء.
وبالأمس، تجمعت العائلة واحتشد الأصدقاء، لليلة حناء مهند، وعلت الزغاريد في أرجاء المكان متناغمة مع دقات قلوب الأحبة المتلهفين ليوم الزفاف المشهود.
كان مهند يبتسم، ويوزع نظرات الوداع دون أن يدري، يرتدي ثوب الفرح الذي تحول بعد ساعاتٍ قليلة إلى كفنٍ أبيض، داخله جثمان محترق، في ثلاجة موت، أطفأت حرارة الفرح للأبد.
ومع انتصاف الليل، تحولت ضحكات الفرح إلى صرخات رعب ووجع، بعد أن سقطت القذائف لتنهي حلم العريس والشابة التي كانت تنتظر فستانها الأبيض، ليستيقظ جميع الأحبة والمدعوين للفرح، لاهثين نحو مشرحة الشهداء، بمستشفى ناصر الطبي.
انتظار الزفاف وتحول المشهد
الصدمة هبطت كالصاعقة على قلوب رفاق دربه الذين كانوا قبل ساعات قليلة يحيطون به في سهرة حنائه، يرفعون كتفيه ويغنّون لشبابه، لكنهم نعوه على مواقع التواصل بدلًا من ذلك.
وكتب صديقه المقرب، أحمد أبو إياد، عن عمق الفاجعة قائلاً "عقلي لا يستوعب يا مهند، الليلة كنا نضحك ونخطط لليوم، كنت ماسك إيدك وبنغني لعرسك، واليوم سنحمل نعشك على كتافي".
ويتابع "كسرت ظهرنا يا عريس، نمت وسبتنا قبل ما نفرح فيك".
كما شاركه صديقه خليل أبو شاب الكلمات بمرارة نابعة من عمق الصدمة، ونعاه بقلب مكسور معبراً عن فظاعة الموقف "يا وجع القلب يا مهند، البدلة اللي كنا بنستنى نشوفك لابسها اليوم، صارت كفن".
ويضيف مهند نام وصحي شهيد، تركت غصة بقلوبنا كلنا يا صاحبي، والله الفراق صعب والوجع أكبر من طاقتنا".
فاجعة تهز القلوب
الفاجعة التي هزت قلوب الأصدقاء، امتدت لتعتصر قلوب العائلة، التي لم يستطع معظم أهل بيته تحديدًا استيعاب أي حديث عن الحدث الجلل.
خالة الشهيد مهند التي أصيبت في القصف الإسرائيلي، تقول لوكالة "صفا"، بدموعٍ القهر، "مهند كان عريس، مهند جنته كانت الليلة واليوم زفته".
وتتابع بصوت أخفته أوجاع الإصابة والصدمة "بالليل كنا بنحني فيه، والضحكة في كل مكان، وبعدها بساعات قصفوا البيت الذي كنا نجهز فيه الفرح، انقصف وراح مهند".
تردد بحرقة "ابن أختي عريس بالسماء اليوم، الفراق صعب، وحسبي الله ونعم الوكيل على اللي حرمنا منه ومن فرحة شبابه".
وتنتظر جماهير غفيرة أمام مستشفى ناصر، منذ صباح اليوم، لتنطلق بموكب زفاف الشهيد مهند، يتقدمهم رفاقه الذين بكت عيونهم دماً عوضاً عن الدموع، في جنازة مهيبة اختلطت فيها صرخات الحزن بزغاريد الشهادة، بدل الفرح.
ولم يرتدِ مهند كفن الموت صدقةً، اليوم، فالاحتلال يعلم جيدًا توقيت القتل، وهو يتفنن في قتل الفرح واستهداف الغزيين في كل مناحي حياتهم الاجتماعية، ومأساة العريس مهند اليوم، شاهداً جديداً على حجم هذا الإجرام.
