أظهرت وثائق نشرتها الحكومة البريطانية، مؤخراً، بشأن ملف تعيين "بيتر ماندلسون" المرتبط بملفات "إبستين" سفيراً في الولايات المتحدة، هجوماً حاداً شنه "ماندلسون" على وزير الصحة السابق "ويس ستريتينغ"؛ بسبب عرضه ملفات على وزراء الحكومة حول الوضع الكارثي في قطاع غزة.
ووُصفت مراسلات ماندلسون الوزيرَ ستريتينغ بـ "الهستيري والمثير للشفقة"، ومن جهته علّق ستريتينغ على الوثائق المنشورة قائلاً: إنه كان يشعر بأن محاولاته لتسليط الضوء على المخاوف بشأن الوضع الطبي في غزة داخل الحكومة كانت أشبه بالاصطدام بجدار من الطوب.
وأكد، في تصريح لصحيفة "الغارديان" البريطانية، أنه أُصيب بالذعر من الحرب في غزة، وبذل كل ما في وسعه بعيداً عن الأضواء لدفع الحكومة إلى التحرك وفقاً للضرورة الأخلاقية الملحّة التي يتطلبها الصراع، وتضمن ذلك مشاركة شهادات عيان من الأطباء على الأرض في غزة، والذين كانت رواياتهم بحاجة إلى أن تُسمع على أعلى المستويات الحكومية؛ لضمان ألا يكون ما يحدث في غزة حرباً بلا شهود.
ووفقاً للوثائق المنشورة، أظهرت رسائل عبر تطبيق "واتساب" جرى تبادلها مع الوزير في الحكومة "بات ماكفادين"، أن ماندلسون كان ينتقد ستريتينغ بشدة لهذا السبب؛ ففي تموز/ يوليو من عام 2025، ناقش ماندلسون ضغوط ستريتينغ على الحكومة لاتخاذ إجراءات بشأن غزة.
وقال ماندلسون إنه تلقى رسالة هستيرية طويلة وجامحة من ويس بشأن "إسرائيل"، وإنه عارض الأمر ويمكنه إعادة توجيه الرسالة، لكنها تعكس بشكل سيء للغاية مدى نضجه في نظره.
وبعد عدة أيام، أشار ماكفادين إلى أن ستريتينغ وزّع مقاطع فيديو ومذكرة على مجلس الوزراء بشأن غزة، وهي عبارة عن ملف يستند لشهادات ثلاثة أطباء، من بينهم جراحان في مستشفيات بارزة في لندن، وصفوا جميعاً تجاربهم في العمل في غزة تحت القصف، ووصف ماندلسون ستريتينغ مجدداً بأنه "مثير للشفقة"، مكملاً: "بأنه يعتقد أن ويس يمر بأزمة مبكرة لمنتصف العمر".
واحتوى ملف ستريتينغ، المؤلف من اثنتين وعشرين صفحة والتي نشرت حوله صحيفة "الغارديان"، على صور صادمة متعددة لأطفال، بما في ذلك رضّع يعانون من سوء تغذية حاد وأطراف مبتورة، حيث وصف أحد الأطباء إجراء عمليات جراحية لما يصل إلى اثني عشر طفلاً يومياً، وكان العديد منهم يصرخون من الألم لعدم توفر مسكنات.
كما أوضح الأطباء أن نصف الضحايا الذين كانوا يصلون للمستشفيات كانوا من الأطفال، مؤكدين جميعاً أنهم لم يروا قط مثل هذه الصدمات والإصابات الواسعة النطاق لدى الأطفال الصغار طوال سنوات عملهم في مناطق الحروب.
وذكر ستريتينغ أنه لم يكن بأي حال من الأحوال الوزير الوحيد في الحكومة الذي يدفع باتجاه اتخاذ إجراء، لكنهم شعروا في كثير من الأحيان وكأنهم يصطدمون بجدار من الطوب بسبب تجاهل مخاوفهم ودوافعهم.
وأضاف أنه دعم دائماً حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، وحق الفلسطينيين في دولة خاصة بهم، كما التقى بناجين من أحداث السابع من أكتوبر، وكان أول وزير في حكومة الظل يزور "إسرائيل"، وزار الضفة الغربية قبل عقد من الزمن.
ودعا إلى فرض عقوبات على المستوطنات عندما كان نائباً في المقاعد الخلفية، مؤكداً أن هذا لم يكن رداً عاطفياً أو أحادي الجانب، بل هو ما يؤمن به، معبراً عن فخره بكونه جزءاً من الحكومة التي اعترفت في نهاية المطاف بالدولة الفلسطينية، رغم أن الأمر استغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى هناك.
وفي تعليق منفصل عبر حسابه على منصة "إكس"، أكد ستريتينغ أن المخاوف التي أثارها بشأن غزة كانت ناتجة عن ضرورة أخلاقية ملحة وليست أزمة منتصف العمر، وأنه أدرك الآن فقط مدى الاستخفاف والاستهتار الذي جرى التعامل به لتجاهل تلك المخاوف.
