web site counter

مجلة أمريكية: قواعد واشنطن أصبحت عبئاً على الخليج

واشنطن - صفا

تتصاعد الدعوات داخل دوائر التفكير الغربية لإعادة صياغة النظام الأمني في المنطقة بعيدا عن المظلة الأمريكية التقليدية، وسط تحذيرات من أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يوفر الحماية لدول الخليجبقدر ما يجعلها في قلب أي مواجهة مباشرة مع إيران

وأكدت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، في مقال مطول للباحث ديفيد بي. روبرتس، الأستاذ المشارك في دراسات الشرق الأوسط بكلية كينغز في جامعة لندن، أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران وضعت دول الخليج أمام واقع أمني جديد وصفته بأنه "لا يحتمل".

وأشارت إلى أن الوجود العسكري الأمريكي الذي اعتمدت عليه دول الخليج لعقود تحول من عنصر حماية إلى مصدر تهديد مباشر، بعدما أصبحت القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة سبباً رئيسياً في تعريض البنية التحتية الخليجية والمنشآت النفطية والفنادق لهجمات إيرانية محتملة.

وأشارت المجلة إلى أنه رغم التراجع الكبير الذي شهدته القدرات العسكرية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، فإن طهران ما تزال تحتفظ بقدرات مؤثرة تسمح لها بتهديد دول الخليج واستهداف مصالحها الحيوية، فضلا عن استمرار سيطرتها الفعالة على مضيق هرمز، الذي يمثل شريانا أساسيا لتجارة الطاقة العالمية.

ولفتت إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يقبل بأي اتفاق يمكن تصويره داخليا باعتباره انتصاراً سياسياً، كما أنه قد يتجه في المقابل إلى مزيد من التصعيد العسكري، إلا أن دول الخليج ستكون الخاسر الأكبر في كلا السيناريوهين، سواء عبر استمرار الحرب أو عبر تفاهمات أمريكية ـ إيرانية لا تراعي مصالحها المباشرة.

وتابعت المجلة أن قادة الخليج مطالبون بالتوقف عن انتظار واشنطن لصياغة مستقبل المنطقة نيابة عنهم، والبدء في رسم هذا المستقبل بأنفسهم، موضحة أن الخروج من الأزمة الحالية يتطلب التخلي عن الفرضية التي حكمت أمن الخليج طوال قرن كامل، والمتمثلة في اعتبار الأمن سلعة يمكن شراؤها من الخارج، بدلا ًمن بنائه محلياً.

وأضافت أن أي نظام أمني جديد في الخليج يجب أن يقوم على تعامل دول المنطقة بنفسها مع إيران، لا عبر وسطاء دوليين أو مظلات عسكرية أجنبية.

وأكدت أن أي اتفاق إقليمي بين دول الخليج وإيران ينبغي أن يتخذ شكل معاهدة شاملة، يكون الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من القواعد الخليجية أحد أعمدتها الرئيسية، مقابل تقديم إيران سلسلة واسعة من التنازلات تشمل فرض قيود على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سياسات التصعيد الإقليمي، واتخاذ خطوات فعلية نحو تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع جيرانها الخليجيين.

وشددت المجلة على أن الانسحاب الأمريكي المقترح لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تراجعا فرضته الضغوط الإيرانية أو نتيجة هزيمة استراتيجية، بل باعتباره خطوة مدروسة لإعادة صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة. وأوضحت أن طهران طالما اعتبرت الوجود العسكري الأمريكي تهديداً وجودياً وأحد الأهداف الأساسية لعقيدتها الردعية، ولذلك فإن إزالة هذا الوجود بصورة تدريجية ومنظمة قد تفتح الباب أمام تفاهمات أكثر استقرارا.

ورأت المجلة أن إعادة ضبط العلاقات الخليجية ـ الإيرانية بشكل جذري قد تؤسس" لحظة وستفالية خليجية"، في إشارة إلى معاهدة وستفاليا الأوروبية عام 1648، التي أرست مفهوم سيادة الدولة وبناء التوازنات الإقليمية من داخل المنطقة نفسها، لا عبر الهيمنة الخارجية.

لكن المجلة أوضحت أن التسوية السياسية وحدها لن تكون كافية لإنجاح هذا التحول، معتبرة أن دول الخليج مطالبة أيضا بإعادة تأهيل جيوشها وتطوير قدراتها القتالية الفعلية. وأشارت إلى أن الأنظمة الخليجية اعتمدت لعقود طويلة على شركاء دوليين لتوفير الحماية، الأمر الذي انعكس على طبيعة جيوشها، التي أصبحت تركز أكثر على الرسائل الدبلوماسية والحفاظ على التحالفات السياسية، بدلا من تطوير عقائد عسكرية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية.

وفي هذا السياق، استعرضت المجلة سلسلة من السوابق التاريخية التي رأت أنها تؤكد محدودية الاعتماد على القوى الخارجية، مشيرة إلى أن بريطانيا تنازلت عام 1922 عن ثلثي الأراضي الكويتية، كما تخلت عن حلفائها في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وعندما سحبت قواتها من الخليج عام 1971 بعد وجود استمر نحو 150 عاما، رضخت لسيطرة إيران على الجزر الإماراتية الثلاث.

وأضافت أن سجل الولايات المتحدة لم يكن أكثر طمأنة لحلفائها الخليجيين، موضحة أن واشنطن وقفت مكتوفة الأيدي عام 1979 عندما أطاحت الثورة الإيرانية بحليفها الرئيسي في المنطقة، شاه إيران، كما لم تقدم دعما حاسما لحلفائها في البحرين ومصر خلال أحداث الربيع العربي.

كذلك امتنعت الولايات المتحدة عن الرد بشكل فعّال بعد الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو في بقيق عام 2019، رغم اتهام إيران بالوقوف خلفه.

كما أشارت المجلة إلى أن قطر، الحليف الرئيسي لواشنطن، تعرضت عام 2025 لهجمات إيرانية وإسرائيلية منفصلة، دون أن يمنع تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة وقوع تلك الضربات.

ورأت المجلة أن المثال الوحيد الذي كثيرا ما تستند إليه دول الخليج للدفاع عن جدوى الحماية الأمريكية يتمثل في تحرير الكويت عام 1991، لكنها اعتبرت أن قادة الخليج يبالغون في تفسير أهمية ذلك الحدث، موضحة أن التدخل الأمريكي آنذاك جاء لخدمة المصالح الأمريكية في لحظة الهيمنة الأحادية بعد نهاية الحرب الباردة، وليس باعتباره التزاما دائما بالدفاع عن الخليج.

وأكدت المجلة أن أزمة الحماية الخارجية ليست سوى جزء من مشكلة أعمق تتعلق بضعف الجدية العسكرية الخليجية، مشيرة إلى أن دول الخليج، كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية، عاشت طويلاً تحت وهم استمرار الحماية الأمريكية إلى ما لا نهاية.

 

ر ب

/ تعليق عبر الفيس بوك