web site counter

للعام الثالث

الأول من ذي الحجة.. تكبيرات بحسرة وأضاحي منسية في خيام غزة

غزة - خاص صفا

مع إشراقة أولى أيام العشر الأوائل من ذي الحجة، تصدح التكبيرات في عواصم العالم الإسلامي، وتبدأ التجهيزات لموسم الحج وشراء الأضاحي، لكن في قطاع غزة، ومخيمات النزوح القسرية فيه، يغيب المشهد تماماً. 

هنا بغزة، للعام الثالث على التوالي، يُحرم الفلسطينيون من ممارسة شعائرهم الدينية، لا لأنهم لا يريدون، بل لأن آلة الحصار والتجويع الإسرائيلية جعلت من اللحوم "حلماً بعيد المنال"، ومن الأضحية رفاهية لا تملكها مئات آلاف العائلات المشردة في خيام من قماش.

وعلى مدار الأعوام الماضية، تسببت حرب الإبادة وإغلاق المعابر، في منع دخول المواشي والأنعام، وتدمير ما تبقى من المزارع المحلية، مما دفع بأسعار اللحوم المجمدة، شحيحاً في الأسواق إلى مستويات خيالية تفوق القدرة الشرائية لمواطنين يعتمدون على المساعدات.

ألم المقارنة

وداخل خيمة مهترئة في مواصي خان يونس، جنوبي القطاع، يجلس النازح خالد أبو شاب، وعيناه مسمرتان على شاشة هاتف صغير، يتابع عبره تكبيرات العيد في بعض البلدان.

ويقول أبو شاب لوكالة "صفا"، "ندخل العام الثالث ونحن لا نعرف طعم اللحم إلا لمام، وكل شعوب المسلمين يجهزون لحجهم وأضاحيهم".

ويضيف "صرنا نفرح لأجواء الدول على المواقع، لكن في القلب غصة لا يعلمها إلا الله".

ويستحضر أبو شاب "عز بلده" بالقول:" بعد أن كنا في غزة قبل ثلاثة أعوام نستقبل هذه الأيام ببهجة، نشتري الأضحية ونجمع العائلة، اليوم أولادي يتضورون جوعاً في الخيام، وبدل أن نخطط لتوزيع الأضاحي، نبحث عن حطب لنطهو عليه بقوليات".

ولا يقتصر الألم على غياب الأضحية كنسك، بل إن سياسة التجويع المستمرة حولت غزة إلى بؤرة يعاني فيها الأطفال من سوء التغذية الحاد، وهو ما تؤكده التقارير الطبية المتتالية من مستشفيات القطاع.

اللحوم "منسية"

في زاوية أخرى من المخيم، تشعل إيمان الرقب (42 عاماً) وهي أم لخمسة أطفال، النار تحت قدر صغير.

تتحدث بمرارة "أطفالي نسوا شكل اللحم الطازج ورائحته، وسعر الكيلو الواحد اليوم يعادل دخل عائلة بأكملها لأسابيع إن وجد أصلاً". 

وتضيف لوكالة "صفا"، أنها لا تتذكر العيد ولا تكترث له، خاصة عيد الأضحى، معللة بالقول "في عيد الفطر الأخير شعرنا ببعض الفرح، لكن هذا العيد للحم، ونحن لم نرى أضحية من ثلاث سنوات".

وتتهرب الرقب من تفاصيل الإجابة، على أسئلة الصغار عن العيد والأضحية، وتكتفي بالقول "المعبر مغلق".

وتقارن فايزة سرحان غزة بحال الدول، وتقول لوكالة "صفا"، "نرى على الإنترنت كيف تزدحم الأسواق في الدول العربية بالمواشي، وكيف تشغل النساء التكبيرات، بينما نعيش نحن حرب وغلاء".

ولكنها تؤكد أن "العشر الأوائل من ذي الحجة لها مكانة عظيمة في نفوسنا، وننتظرها لتقربنا إلى الله وتوسيع الرزق، ولا نيأس من رحمته".

وحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن 1.6 مليون شخص في قطاع غزة، بنسبة 77% من إجمالي عدد السكان، يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بما يشمل أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف سيدة حامل ومرضع.

استمرار المأساة غزة

وبينما تقترب أيام عيد الأضحى المبارك، يبقى المشهد في خيام المواصي وبقية مناطق قطاع غزة معلقاً بين صمود المواطنين أمام آلة القتل والتجويع، وبين أمل ضعيف في كسر هذا الحصار، فيما تحصد الحرب يوميًا ضحايا، رغم وجود وقف إطلاق نار.

وفي هذا السياق، تقول وزارة الزراعة في غزة، إن أكثر من مليوني فلسطيني سيستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي بلا أضاحي، في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلقتها الحرب والحصار.

وحسب بيان للوزارة، فإن الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تسببت بـ"تدمير ممنهج لقطاع الثروة الحيوانية، بعدما استهدفت مزارع الإنتاج الحيواني والحظائر والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف بشكل مباشر".

وتوضح أن هذا الاستهداف المتعمّد تسبّب بنفوق أعداد كبيرة من المواشي، وانهيار شبه كامل لهذا القطاع الحيوي في غزة.

وكان قطاع غزة يستقبل سنوياً، قبل الحرب، من 10 إلى 20 ألف عجل، إضافة إلى ما بين 30 و40 ألف رأس من الأغنام لتلبية احتياجات موسم الأضاحي، أما اليوم فقد انعدمت عمليات الاستيراد بشكل كامل.

وتضيف الزراعة في هذا الصدد، أنه "وصل استيراد الأضاحي الحية إلى صفر، في ظل استمرار إغلاق المعابر، ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية".

وتشير إلى أن شحّ الأعلاف وارتفاع أسعار المتوفر منها تسببا في القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية، وسط خسائر وصفتها الوزارة بالكارثية، تهدد بخروج مربي المواشي بالكامل من هذا القطاع.

ولا يمثل غياب الأضاحي هذا العام، فقد شعيرة دينية فقط، بل يعكس حجم المجاعة والمعاناة التي يعيشها سكان غزة، خاصة مع اعتمادهم قسراً على كميات محدودة من اللحوم المجمدة، في ظل غياب أي مصادر إنتاج محلية.

ر ب

/ تعليق عبر الفيس بوك