"في فلسطين، تتحول الحجارة إلى قوائم مرمى، وتصبح كرة القدم حرية". هكذا عنونت مجلة رياضية هندية حوارها مع لاعب الوسط محمد رشيد في الدوري الهندي الممتاز.
وأجرت مجلة "سبورت ستار" حوارًا-وترجمته وكالة صفا- مع لاعب الوسط الفلسطيني رشيد، المعروف في الهند باعتباره أكثر لاعبي نادي "إيست بنغال" ثباتًا واعتمادية في خط الوسط، الذي ربما غادر رام الله في سنوات مراهقته، لكنه ما زال يتذكر طفولته وكأنها حدثت بالأمس.
وقال رشيد: "في فلسطين، ليست هناك الكثير من الإمكانيات لتصبح لاعب كرة قدم محترفًا لذلك، عندما تكون طفلًا، وإذا وجدت أي موقف سيارات فارغ أو شارع، فإنك تلعب فقط من أجل المتعة.".
وأضاف: حجَران، وأحيانًا حذاءان، يوضعان على جانبي الطريق لصنع مرمى. يجتمع عدد قليل من الأطفال حولهما، يشكلون فرقًا، ويبدؤون لعب كرة القدم. وكثيرًا ما يأتي جنود الاحتلال إلى الشوارع ويطردونهم من المكان.
وقال: عندما يغادر الجنود، تستأنف المباراة. هكذا يُصنع لاعبو كرة القدم في فلسطين.
وجاء في حواره: "كان والداي يجدان صعوبة في إبقائي داخل المنزل، لأنني كنت أحب البقاء خارجًا طوال الوقت. في كثير من الأحيان، كنا نواجه مشاكل مع الجنود الإسرائيليين. كنا نلعب في الشارع، فتأتي إحدى سياراتهم ويطلبون منا المغادرة كان هذا أمرًا طبيعيًا".
ولم يستسلم رشيد، فبعد أن اكتشفه معلم التربية البدنية في الصف السادس، انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو في السادسة عشرة من عمره، وحصل على دبلوم في علم النفس التجاري، وواصل اللعب إلى جانب دراسته، ثم اختار كرة القدم كمهنة بدوام كامل.
وقال رشيد: نحن نلعب من أجل شهدائنا ومن فقدوا منازلهم، وزوجاتهم، وأزواجهم، وآباءهم، وأحباءهم. عندما تضع ذلك في ذهنك، وفي حالتك النفسية، وأنت تدخل إلى أرض الملعب، فإن ذلك يشعل الحماس داخلك حقًا، لأنك تبدأ بالإيمان بأننا لا نعيش من أجل أنفسنا فقط. هناك أشخاص يعتمدون علينا."
وأضاف: في غزة، يشاهد كثير من الناس المباريات ويجدون طرقًا للوصول إلى الإنترنت رغم الحرب، ولدي أصدقاء من هناك يرسلون لي صورًا ومقاطع فيديو لأشخاص يضعون هاتفًا ويثبتونه على الحائط، وربما يكون هناك 30 أو 40 شخصًا يشاهدون. تخيل كم أن ذلك صعب، لكنه يمنحك قشعريرة ويمنحك شيئًا إضافيًا لتقاتل من أجله غير رغبتك الطبيعية في الفوز وهو إسعاد هؤلاء الناس."
ورغم أن رشيد غادر فلسطين قبل 15 عامًا، فإن ارتباطه بوطنه لم يضعف أبدًا. وفي العام الماضي، تعرض هذا الارتباط لضربة مؤلمة عندما توفي والده باسم أحمد رشيد حمدان.
يقول رشيد: كان الأمر صعبًا جدًا. عندما توفي والدي، كان الأمر غير متوقع. في صباح ذلك اليوم نفسه، كان يضحك ويمزح ويتصرف بطبيعته المعتادة. كنت في التدريب عندما حدث الأمر. كان لدي نحو 100 مكالمة فائتة من إخوتي وأخواتي. لم أر شيئًا كهذا من قبل، وقد صُدمت بالخبر الذي تلا ذلك.
وعاد رشيد إلى الولايات المتحدة، حيث تعيش أسرته وأخذ وقتًا للحزن واستيعاب التغيير قبل العودة إلى الهند.
لكن اللاعب البالغ من العمر 30 عامًا لم يستطع تجاوز وفاة والده، لذلك، عندما رُزق بطفل هذا العام، لم يجد اسمًا أفضل من اسم والده.
فداخل الملعب، كان رشيد محترفًا بكل معنى الكلمة، متألقًا مع ناديه ومنتخب بلاده. فقد شارك في بطولتين لكأس آسيا مع فلسطين، وكان جزءًا من المنتخب الذي تأهل إلى دور الستة عشر للمرة الأولى في قطر قبل عامين.
وقال: "آمل أن يأتي يوم تصبح فيه فلسطين حرة بالكامل، أو على الأقل نستطيع التحرك فيها بحرية، وأن أكون ما زلت على قيد الحياة. أدعو الله فقط أن أكون كذلك، لأنني حقًا أريد أن أرى كل شيء في بلادي".
لقد قطع رشيد شوطًا طويلًا منذ أيام لعبه الكرة في شوارع رام الله. فقد لعب 50 مباراة مع منتخب بلاده، وسافر إلى مختلف أنحاء العالم كلاعب كرة قدم.
وأكد أنه في كل مرة يدخل فيها إلى أرض الملعب، تدخل فلسطين معه، تلك الشوارع التي يلعب فيها الأطفال مستخدمين الحجارة كقوائم للمرمى.
وقال: أنا أعتبر الشعب الفلسطيني قدوة بسبب صبرهم وإيمانهم وهو شيء أريد أن أصل إليه يومًا ما في حياتي. لا أعرف كيف يمكن لإنسان أن يمر بكل هذا لمدة ثلاث سنوات طعام بالكاد يكفي، وماء بالكاد يكفي. حتى أبسط مقومات البقاء ليست متوفرة".
وتابع: أن تكون في تلك الحالة، وفي ذلك الوضع، وتستطيع رغم ذلك أن تستمر في الحياة، فهم حقًا الأبطال الحقيقيون. إن شاء الله، أدعو وأتمنى بصدق أن يأتي اليوم قريبًا الذي نصبح فيه جميعًا أحرارًا".
